من إغلاق المعبر إلى إعادة تشكيل غزة: هل تنتقل السلطة إلى أصحاب المال؟
عماد وليد كباجة
من إغلاق المعبر إلى إعادة تشكيل غزة: هل تنتقل السلطة إلى أصحاب المال؟
الكوفية أرى أن ما يجري بشأن معبر غزة يتجاوز مسألة الإغلاق وإعادة فتحه، ليطرح تساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة، والآليات التي ستُنظّم دخول البضائع، والجهات التي ستتحكم في تدفقها وتوزيعها. وفي تقديري، فإن الإغلاق الذي تجاوز أسبوعًا قد يكون مقدمة لإعادة تشكيل الواقع الاقتصادي في القطاع، بما يفتح المجال أمام انتقال النفوذ تدريجيًا إلى أصحاب رؤوس الأموال والتجار.
أرجّح أن المعبر لن يُفتح في الوقت الحالي بالآلية التي تسمح بعودة تدفق السلع إلى مستويات ما قبل الإغلاق، وأن الإغلاق قد يمتد فترة أطول قبل الانتقال إلى ترتيبات جديدة لدخول البضائع. فالمسألة، من وجهة نظري، لا تتعلق بتوفير السلع فحسب، بل بمن يمتلك القدرة على إدخالها والتحكم في توزيعها، وبطبيعة النفوذ الذي يمكن أن ينشأ عن ذلك في مجتمع أنهكته الحرب وتراجعت فيه قدرة المؤسسات على إدارة الحياة الاقتصادية.
إن تقييد تدفق البضائع وتجفيف السوق من السلع الأساسية من شأنه أن يزيد الندرة ويعمّق حاجة السكان إلى الجهات القادرة على توفير احتياجاتهم. وفي ظل هذه الظروف، يمكن أن يتحول النفوذ التجاري من مجرد نشاط اقتصادي إلى سلطة فعلية تؤثر في حياة الناس ومصالحهم، خصوصًا إذا تركزت امتيازات إدخال البضائع وتوزيعها في أيدي فئة محدودة من التجار.
لكن التحول الأخطر الذي أراه ممكنًا يتمثل في الانتقال من النفوذ الاقتصادي إلى النفوذ الأمني والعسكري. فبعد تجفيف السوق وتفاقم أزمة السلع، قد تعود ظاهرة سرقة الشاحنات والاستيلاء على البضائع لتُستخدم مبررًا لإنشاء مجموعات مسلحة بحجة تأمين الشاحنات والمخازن وطرق الإمداد. وبذلك، قد يبدأ الأمر تحت عنوان حماية التجارة، ثم يتطور إلى تشكيل قوى مسلحة تمتلك التمويل والنفوذ والمصالح الخاصة.
وفي حال توسعت مهام هذه المجموعات وتجاوزت الحماية المحدودة إلى فرض السيطرة على طرق الإمداد والأسواق، فقد تتحول إلى قوة عسكرية موازية داخل قطاع غزة، ترتبط مصالحها الاقتصادية بوجودها الأمني، وتصبح قادرة على التأثير في موازين القوة والقرار داخل المجتمع. وهنا لا يعود التاجر مجرد طرف في السوق، بل قد يتحول إلى مركز نفوذ تتداخل فيه المصالح الاقتصادية والأدوار الأمنية والسياسية.
ومن هذا المنطلق، أقرأ الإغلاق باعتباره جزءًا من مسار قد يفضي إلى إعادة تشكيل غزة اقتصاديًا وأمنيًا، بحيث يصبح التحكم في البضائع مدخلًا لبناء نفوذ جديد، ثم تتوسع أدوات هذا النفوذ لتشمل الحماية المسلحة. وأرى أن استمرار الإغلاق لفترة أطول، ثم إعادة فتح المعبر وفق آليات مختلفة عن السابق، ينسجم مع هذا التصور الذي أطرحه، وإن كان إثبات وجود خطة متعمدة بهذا الاتجاه يحتاج إلى معطيات مباشرة تؤكده.
إن خطورة هذا المسار تكمن في أن السيطرة على احتياجات السكان قد تتحول إلى وسيلة لإعادة توزيع السلطة داخل القطاع، وأن الندرة التي يفرضها إغلاق المعبر قد تخلق ظروفًا تُستخدم لاحقًا لتبرير ترتيبات أمنية جديدة. وإذا انتهى الأمر إلى تشكيل قوة مسلحة مرتبطة بمصالح تجارية، فإن غزة قد تواجه واقعًا تتداخل فيه السيطرة على السوق مع السيطرة على الأمن، بما ينعكس على مستقبل المجتمع وبنية السلطة فيه.
لذلك، فإن القضية ليست مجرد فتح المعبر أو إغلاقه، بل طبيعة النظام الذي سيحكم دخول البضائع، والجهات التي ستستفيد منه، وما إذا كان التحكم في لقمة عيش السكان سيمهد لظهور مراكز نفوذ اقتصادية تتحول لاحقًا إلى قوى أمنية وعسكرية موازية. وهذا ما يجعلني أرجّح استمرار الإغلاق مدة أطول، وأخشى أن تكون المرحلة المقبلة جزءًا من إعادة تشكيل الواقع في غزة، لا مجرد تغيير مؤقت في حركة التجارة.