نشر بتاريخ: 2026/10/11 ( آخر تحديث: 2026/10/11 الساعة: 16:48 )

عباس يؤجّل الانتخابات... والفصائل تتواطأ مع العجز!

نشر بتاريخ: 2026/10/11 (آخر تحديث: 2026/10/11 الساعة: 16:48)

الكوفية حين يصبح الصندوق الانتخابي عدواً للسلطة

أيُّ وقاحة سياسية أكبر من أن يُطلب من شعبٍ يواجه الاحتلال والاستيطان والقتل والتهجير أن يصبر على غياب الديمقراطية أيضاً، وأن يقبل بأن تتحول الانتخابات إلى موعد مؤجل بقرار من الذين يفترض أن يخضعوا لإرادته؟ وأيُّ استخفاف بعقول الفلسطينيين أكبر من أن تُرفع شعارات الشرعية والوحدة الوطنية، فيما تُعطّل الآلية الوحيدة التي تمنح هذه الشرعية معناها الحقيقي: صندوق الاقتراع؟ إن ما جرى في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر 2026، مع إلغاء موعد الانتخابات التشريعية الذي كان مقرراً في الثامن والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، وتحديد أيلول/سبتمبر 2027 موعداً متزامناً للانتخابات الرئاسية والتشريعية، ليس مجرد تغيير في روزنامة سياسية، بل محطة جديدة في أزمة النظام الفلسطيني الذي عجز، طوال سنوات، عن تجديد تفويضه الشعبي. والرئيس محمود عباس، الذي يتحمل المسؤولية السياسية المباشرة عن المرسوم الصادر باسمه، مطالب بأن يجيب الفلسطينيين عن سؤال لم يعد ممكناً دفنه تحت ركام البيانات الرسمية: بأي حق يُصادر حق الشعب في اختيار ممثليه، ومن منح أيَّ مسؤول سلطة تحويل الانتخابات إلى استحقاق مؤجل حتى إشعار آخر؟ لقد انتهت الولايات الرئاسية والتشريعية إلى واقع سياسي ممتد منذ عقود، بينما تتراكم الأزمات، وتتسع الفجوة بين المؤسسات والمجتمع، ويُترك الفلسطينيون أمام نظام سياسي لا يستطيع تجديد شرعيته عبر الاقتراع. وحين تصبح الانتخابات خطراً على أصحاب القرار، بدلاً من أن تكون ضمانة لاستقرار المؤسسات، فإن المشكلة لم تعد في موعد الانتخابات، بل في عقلية الحكم التي تنظر إلى إرادة الناس بوصفها احتمالاً ينبغي التحوّط منه، لا حقاً ينبغي احترامه. إننا لا نتحدث هنا عن خلاف إداري، بل عن أزمة سياسية وأخلاقية تستوجب المساءلة. فالاحتلال مسؤول عن احتلال الأرض وفرض القيود على الحياة الفلسطينية، لكنه لا يمنح أحداً صكاً مفتوحاً لتعطيل الديمقراطية، ولا يجوز تحويل جرائمه وعراقيله إلى ذريعة دائمة لإعفاء القيادة من واجبها تجاه شعبها.

عباس مطالب بالمحاسبة... لا بتوزيع المواعيد

لقد آن الأوان لأن تتوقف سياسة إدارة الأزمات بالمسكنات، وأن يُقال بوضوح إن استمرار الحكم من دون تجديد انتخابي يضرب الثقة بالمؤسسات، ويعمّق أزمة الشرعية، ويُبقي النظام السياسي أسير إرادة الأشخاص بدلاً من أن يكون خاضعاً لقواعد دستورية وديمقراطية مستقرة. إن تحميل محمود عباس المسؤولية السياسية عن تعطيل الاستحقاق لا يعني إعفاء بقية الأطراف من مسؤولياتها، لكنه يعني رفض الهروب من المسؤولية الأساسية خلف قرارات جماعية وبيانات توافقية. فالقرار الرئاسي لا يصبح أقل خطورة لأن جهة أخرى أيدته، ولا يتحول إلى قرار ديمقراطي لمجرد تغليفه بعبارات الوحدة الوطنية والمصلحة العامة.

ومن حق الفلسطينيين أن يسألوا: أين ذهبت الوعود بإعادة بناء المؤسسات؟ وأين أصبحت المساءلة عن الأداء المالي والإداري؟ وكيف يمكن إقناع المواطن بأن النظام السياسي يعمل لمصلحته، فيما يُحرم من فرصة محاسبة ممثليه وتجديد تفويضهم؟ أما الفساد المالي والإداري والسياسي، الذي تتكرر الاتهامات بشأنه في الحياة العامة الفلسطينية، فلا يجوز أن يبقى عنواناً للاشتباك الإعلامي وحده. المطلوب نشر المعلومات، وتفعيل أجهزة الرقابة، وضمان استقلال القضاء، والتحقيق في المخالفات وفق القانون، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، أياً كان موقعه أو تنظيمه. فالفساد لا يُحارب بالبيانات، ولا تُستعاد ثقة الناس بمطالبتهم بالصبر، ولا يمكن بناء مؤسسات وطنية قوية بينما تظل الشفافية والمساءلة موضع خلاف سياسي. إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي نظام سياسي ليس أن يفقد شعبيته فحسب، بل أن يفقد الآليات التي تسمح للشعب بمحاسبته وتغيير ممثليه.

أبو فادي والتيار الإصلاحي: الوطن ليس غنيمة حزبية

في مواجهة هذا الواقع، يأتي موقف تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح بقيادة الأخ محمد دحلان، أبو فادي، الرافض لتعطيل الانتخابات والداعي إلى تشكيل جبهة ضغط شعبية للدفاع عن حق الفلسطينيين في الاقتراع، ليطرح سؤالاً يتجاوز الصراع داخل حركة فتح: هل التنظيم وسيلة لخدمة الوطن، أم أن الوطن أصبح وسيلة لخدمة التنظيم؟ لقد أكد التيار أن الانتخابات حق أصيل للشعب الفلسطيني، وليست منحة من الرئيس أو امتيازاً تمنحه القيادة متى شاءت وتسحبه متى تعارض مع حساباتها. كما دعا إلى توسيع التواصل مع القوى الوطنية والسياسية والشبابية، وتشكيل ضغط شعبي يضع استعادة الحياة الديمقراطية في صدارة الأولويات الوطنية. وهنا يكمن جوهر الرؤية الإصلاحية التي ندافع عنها: أن يكون الوطن غايتنا، وأن تكون المؤسسات أدوات لخدمته، وأن يكون الموقع السياسي مسؤولية لا امتيازاً، وأن يكون الشعب صاحب القرار لا مجرد جمهور يُستدعى عند الحاجة إلى التصفيق أو التعبئة. لسنا بحاجة إلى قيادة تطالب الناس بالولاء لها إلى أجل غير مسمى، بل إلى قيادة تعرف أن شرعيتها مرتبطة بإرادة الناس، وأن من حق الشعب تغيير ممثليه ومحاسبتهم. ولسنا بحاجة إلى تنظيمات تتعامل مع مواقعها باعتبارها استحقاقات تاريخية لا يجوز المساس بها، بل إلى قوى تدرك أن تاريخها النضالي، مهما كان عظيماً، لا يمنحها حق مصادرة المستقبل. لكننا، في الوقت نفسه، نؤكد أن التيار الإصلاحي الديمقراطي مطالب بأن يجعل هذه المبادئ معياراً دائماً لأدائه، وأن يترجمها إلى برنامج واضح للشفافية والمساءلة والتعددية وتداول المسؤولية. فالإصلاح لا يكون بانتقاد احتكار السلطة ثم إعادة إنتاجه، ولا بمحاربة الفساد بالشعارات ثم التساهل معه حين يصيب الحلفاء، بل بإرساء قواعد لا تستثني أحداً. إن مشروعنا ليس استبدال احتكار باحتكار، ولا نقل مفاتيح السلطة من يد إلى أخرى، بل إعادة القرار إلى صاحبه الحقيقي: الشعب الفلسطيني.

إلى الفصائل التي رحّبت بالتأجيل: أين اختبأت الديمقراطية؟

الأكثر إيلاماً أن يأتي الترحيب بالتأجيل من قوى تتحدث باستمرار عن إعادة بناء المؤسسات الوطنية، وإنهاء الانقسام، وتجديد الشرعيات. فقد اعتبرت حركة حماس، في بيانها الصادر في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر 2026، أن تأجيل الانتخابات إلى العام المقبل خطوة في الاتجاه الصحيح، مستندة إلى عدم توافر الظروف السياسية والأمنية والميدانية اللازمة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة، بما فيها القدس. ونحن لا ننكر صعوبة إجراء الانتخابات في ظل الاحتلال، ولا نقلل من خطورة القيود الإسرائيلية والحرب والانقسام، ولا نطالب بانتخابات شكلية تُقصي أجزاء من شعبنا أو تفتقر إلى ضمانات النزاهة. لكننا نرفض أن تتحول هذه العقبات إلى مبرر مفتوح لإرجاء الاستحقاق، من دون ضمانات ملزمة تمنع تكرار التأجيل. فإذا كانت الانتخابات أولوية وطنية، فلماذا لا تقترن الموافقة على الموعد الجديد بخطة واضحة، والتزامات محددة، وآليات رقابة ،ومحاسبة؟ وإذا كان الحوار الوطني ضرورياً، فلماذا يُترك بلا سقف سياسي ملزم يضمن أن ينتهي إلى انتخابات فعلية، لا إلى جولة أخرى من الاجتماعات والبيانات؟ إن الترحيب بالتأجيل من دون ضمانات ليس موقفاً ديمقراطياً مكتملاً، مهما كانت النوايا المعلنة. ومن حقنا أن نسأل هذه الفصائل: هل تقبلون تعطيل الانتخابات لأن الظروف لا تسمح بها، أم لأن نتائجها المحتملة قد تعيد ترتيب موازين القوى التي اعتدتم عليها؟ لا نتهم أحداً بما لا نملك دليلاً عليه، لكننا نطالب الجميع بإزالة الشكوك عبر مواقف عملية لا تحتمل التأويل. لقد سئم الفلسطينيون حواراً لا ينتهي، وتوافقات لا تُنفّذ، وقيادات تتحدث باسم الشعب بينما يُحرم الشعب من فرصة محاسبتها. ومن يريد حقاً إعادة بناء منظمة التحرير والمجلسين الوطني والتشريعي، عليه أن يبدأ باحترام حق الفلسطينيين في المشاركة السياسية، لا أن يجعل إعادة البناء شرطاً مؤجلاً لممارسة هذا الحق. الوحدة الوطنية ليست اتفاقاً بين القيادات على تأجيل خلافاتها، بل اتفاقاً على إعادة القرار إلى الشعب.

الفساد ليس مجرد سرقة المال... بل سرقة المستقبل

إن الفساد السياسي يبدأ حين تُختزل المؤسسات في الأشخاص، وحين تتحول الوظائف العامة إلى امتيازات، وحين تتراجع المساءلة أمام الولاءات، وحين يصبح البقاء في السلطة أهم من تجديد التفويض الشعبي. ولا يعني ذلك أن كل تأجيل للانتخابات دليل بذاته على فساد مالي، بل إن استمرار غياب الرقابة الديمقراطية يضعف إحدى أهم وسائل مساءلة أصحاب القرار، ويزيد الحاجة إلى مؤسسات مستقلة وشفافة. لقد دفع شعبنا أثماناً باهظة من أجل حريته وكرامته، ولا يجوز أن يجد نفسه مضطراً إلى خوض معركة إضافية من أجل حقه في اختيار من يحكمه. فالشاب الفلسطيني الذي يبحث عن أفق سياسي، والعائلة التي تواجه آثار الحرب والفقر، والمواطن الذي فقد ثقته بالمؤسسات، جميعهم يستحقون نظاماً سياسياً يتعامل مع احتياجاتهم بوصفها مسؤولية وطنية، لا مادة للاستخدام في الخطب والمواسم الانتخابية. وإذا كانت القيادة جادة في مكافحة الفساد، فلتبدأ بتعزيز استقلال القضاء، وتفعيل الرقابة المالية والإدارية، ونشر المعلومات المتعلقة بالإنفاق العام، وحماية حق المواطنين في مساءلة المسؤولين، وضمان عدم استخدام المؤسسات العامة لخدمة المصالح الحزبية. وإذا كانت الفصائل جادة في الإصلاح، فلتقبل هي الأخرى إخضاع أدائها ومواقفها للمساءلة، ولتثبت أن معايير الشفافية والديمقراطية ليست سلاحاً ضد الخصوم فحسب.

أما أن تتحدث القوى عن الإصلاح فيما تُبقي مصير النظام السياسي رهينة التوافقات المغلقة، فذلك لا يصنع تغييراً، بل يطيل عمر الأزمة.

إلى أوروبا والمجتمع الدولي: لا تموّلوا الجمود السياسي

إن المجتمع الدولي، والاتحاد الأوروبي خصوصاً، مطالبان بألا يكتفيا بالتصريحات العامة عن الديمقراطية والحكم الرشيد، بل باتخاذ موقف واضح من تعطيل الانتخابات، ودعم مسار سياسي يضمن احترام إرادة الفلسطينيين. وينبغي أن يتركز هذا الجهد على ضمانات مؤسسية، ومراقبة مستقلة، ودعم حرية العمل السياسي، ورفض أي إجراءات تعسفية تمنع المنافسة أو تقيد المشاركة. لكننا نؤكد أن مسؤولية الخارج لا تعفي القيادة الفلسطينية من واجباتها، ولا يجوز أن يصبح الدعم الدولي بديلاً من الشرعية الشعبية. فالإصلاح الحقيقي يبدأ بإرادة فلسطينية تضع مصلحة المواطن فوق مصالح المتنفذين، وتؤمن بأن المؤسسات العامة ملك للشعب وليست ملكاً لمن يديرها.

لن نقبل أن يكون الشعب رهينة

إننا في تيار الإصلاح الديمقراطي لا ننظر إلى الانتخابات باعتبارها معركة مقاعد، بل باعتبارها معركة على طبيعة النظام السياسي الفلسطيني ومستقبله. نريد مؤسسات تستمد شرعيتها من الشعب، وقيادة تخضع للمحاسبة، وقضاء مستقلاً، ورقابة فعالة، وحياة سياسية تسمح بالتنافس والتداول، بعيداً عن منطق الاحتكار والإقصاء. ونؤكد أن الأخ محمد دحلان، أبو فادي، والتيار الإصلاحي الديمقراطي، لن يكونا في نظرنا مجرد طرف في سجال على مواقع السلطة، بل إن مسؤوليتنا السياسية تفرض علينا أن نجعل الدفاع عن الانتخابات مدخلاً لمشروع وطني ديمقراطي أوسع، وأن نفتح أبواب الشراكة أمام كل قوة تؤمن بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم السياسي. أما الرئيس محمود عباس، فنقول له بوضوح: إن الشرعية لا تُصان بتأجيل الانتخابات، وإن المؤسسات لا تُحمى بحرمان الناس من حقهم في تجديدها، وإن التاريخ السياسي لا يُقاس بعدد السنوات التي يبقى فيها المسؤول في منصبه، بل بما يتركه من مؤسسات قادرة على الاستمرار من دونه. وإلى الفصائل التي رحّبت بالتأجيل، نقول: لا يكفي أن تتحدثوا عن الوحدة الوطنية؛ أثبتوا أنكم مستعدون لقبول قواعد ديمقراطية تُطبّق على الجميع، وأنكم لن تجعلوا الحوار غطاءً لتمديد الأزمة، أو التوافق وسيلة لحماية المواقع. فلسطين ليست مزرعة لأحد، والسلطة ليست إرثاً عائلياً أو امتيازاً فصائلياً، والشعب الفلسطيني ليس رهينة عند أي قيادة مهما طال بقاؤها أو ارتفع صوتها.

نحن لا نطالب بمنّة من أحد؛ نطالب بحقنا. ولا نبحث عن مقعد في نظام مغلق؛ نريد نظاماً مفتوحاً أمام إرادة الشعب. فالذي يخاف من صندوق الاقتراع لا يستطيع أن يطلب من شعبه الثقة بلا نهاية، والذي يجعل الوطن وسيلة لبقائه السياسي لا يحق له أن يتحدث باسم مستقبل الوطن. فلسطين أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب، وأغلى من مصالح الفصائل. والانتخابات ليست موعداً يحدده أصحاب السلطة وحدهم، بل حق لشعب لن يتنازل عن حقه في اختيار من يمثله.