محمود درويش وغزة... رضوض في المشاعر وكسر في الخاطر
شريف الهركلي
محمود درويش وغزة... رضوض في المشاعر وكسر في الخاطر
الكوفية «أنا بخير...
رضوضٌ في المشاعر،
وكسرٌ في الخاطر،
وبعضُ خدوشٍ على الذاكرة.
يقول الطبيب: لا شيء مميت،
خلعٌ في الروح فقط.»
هكذا تتردد هذه الأبيات المتداولة والمنسوبة إلى الشاعر الفلسطيني محمود درويش، وكأنها كُتبت اليوم لتدخل خيام غزة، وتجلس إلى جوار الناجين، وتصغي إلى حكايات الذين خرجوا من الحرب بأجسادهم، بينما بقي شيء من أرواحهم تحت الركام.
«أنا بخير»... كم مرة قالها الغزي وهو ليس بخير؟ قالها الأب كي لا يخيف أبناءه، وقالتها الأم وهي تخفي دمعتها، وقالها النازح وهو يجلس في خيمة لا تشبه بيته، وقالها الطفل بعدما تعلّم أن يخفي خوفه، وفقد لعبته التي كانت ونيس وحدته في عالم الطفولة.
«رضوضٌ في المشاعر»... في غزة، ليست الرضوض دائمًا على الجسد. هناك قلب أُصيب بفقد ابنه، وأمّ بقيت تحدّق في مكان كان يقف فيه طفلها، وأب عاد إلى بيته فلم يجد سوى الركام، وناجٍ وحيد وجد نفسه فجأة يحمل ذاكرة عائلة كاملة.
«وكسرٌ في الخاطر»... كم خاطرًا انكسر تحت القصف؟ خاطر طفل كان يحلم بمدرسة، وعائلة كانت تنتظر عودة أبنائها، وشاب كان يرسم مستقبله، وبيت كان يظن أن جدرانه ستحمي ذاكرته.
«وبعض خدوشٍ على الذاكرة»... لكنها في غزة ليست خدوشًا عابرة. إنها أسماء الشهداء، وصور الراحلين، وأبواب البيوت التي لم تعد تُفتح، وأصوات الأمهات، ووجوه الأطفال الذين كبروا فجأة وشابوا قبل أوانهم.
«يقول الطبيب: لا شيء مميت»... لكن ماذا يقول الطبيب لأب فقد ابنه؟ ماذا يقول لقلبٍ توقف جزء منه عند لحظة الرحيل؟
في لحظة إعلان انتهاء الحرب التي لن تنتهي، أُطلقت أصوات الاحتفال، لكنني جلست أبكي. لم أستطع أن أحتفل. تذكرت ابني ساري، الشهيد، وتذكرت أصدقائي وجيراني وأبناء شعبنا الفلسطيني الذين غابوا في هذه الحرب.
لم يكن ساري وحده من غاب؛ كان واحدًا من آلاف الحكايات التي فقدت أسماءها في زحام الموت. وحين نطقت باسمه في تلك اللحظة، شعرت أنني لا أبكي ابني وحده، بل أبكي أبناء غزة جميعًا؛ كل أب فقد ابنه، وكل أم فقدت ابنتها، وكل طفل صار يحمل صورة غائب أكبر من عمره.
هنا خرج ساري من حكايتي الشخصية إلى حكاية غزة؛ من اسم ابني إلى أسماء آلاف الشهداء الذين تركوا وراءهم أرواحًا مخلّعة، وبيوتًا ناقصة، وذاكرة لا تعرف كيف تنسى.
عندها فهمت معنى: «خلعٌ في الروح فقط».
فالحرب قد تعلن نهايتها على الورق، وقد يتوقف صوت السلاح، لكن هناك حربًا أخرى تبدأ داخل الناجين؛ حرب الفقد والذاكرة والحنين. ولهذا فإن انتهاء الحرب التي لن تنتهي ليس نهاية الوجع؛ فالذين فقدوا أحباءهم سيحملون الحرب معهم، في كل عيد، وكل فرح، وكل لحظة انتظار.
غزة ليست بخير.
لكنها، رغم كل ما فقدته، ما زالت تمسك بخيط الحياة. وفي كل خيمة أب يحمل اسم ابنه، وأم تحفظ ملامح ابنتها، وطفل يبحث عن وجه أبيه، تبقى الحكاية واحدة: قد ينتهي القصف، لكن الفقد لا يعلن هدنة.
ومن بين الركام، يظل ساري حاضرًا، كما يظل آلاف الغائبين حاضرين في قلوب أهلهم، وكأن غزة كلها تقول: نحن لا ننسى من رحلوا، لأنهم جزء من أرواحنا.