نشر بتاريخ: 2026/09/03 ( آخر تحديث: 2026/09/03 الساعة: 00:03 )

قراءة سياسية وتنظيمية في تغريدة قيادي فتحاوي على «فيسبوك»

نشر بتاريخ: 2026/09/03 (آخر تحديث: 2026/09/03 الساعة: 00:03)

الكوفية من على جداريته في «فيسبوك»، كتب القيادي في تيار الإصلاح الديمقراطي، الدكتور أسامة الفرا: «لدينا فائض من القيادات، وفائض من البيانات، وفائض من الشعارات، ونعاني من فقر حاد في المسؤولية».

كلمات قليلة، لكنها تحمل وجعاً فلسطينياً كبيراً، وتضع اليد على جرح مفتوح منذ سنوات.

نعم، لدينا فائض في القيادات، لكننا ما زلنا نبحث عن قيادة قادرة على الوصول بنا إلى آخر الطريق؛ الطريق الذي ينهي الانقسام، ويعيد بناء البيت الفلسطيني على قاعدة الشراكة الوطنية، لا على قاعدة الغلبة والاستحواذ.

فالقيادة ليست لقباً، ولا موقعاً، ولا امتيازاً تنظيمياً؛ القيادة تكليف وأمانة ومسؤولية ومحاسبة أمام الشعب والتاريخ. والمشكلة ليست في كثرة الأشخاص بقدر ما هي في منظومة سياسية أنتجت فائضاً من المواقع والخطاب، مقابل نقص في الفعل الوطني القادر على صناعة الحلول.

ولدينا فائض من البيانات التي تصدر كل يوم، بينما ينتظر شعبنا بياناً واحداً مختلفاً؛ بياناً يعلن نهاية الانقسام، ويقول للفلسطينيين إن ساعة إعادة بناء البيت الوطني قد حانت، وإن جدرانه المتصدعة لن تبقى شاهدة على عجزنا.

لقد تحولت الساحة الفلسطينية، في كثير من الأحيان، إلى ما يشبه حفلة بيانات؛ بيانات تواسي، وتستنكر، وتدين، وتحمّل المسؤولية، لكنها لا تنتقل بما يكفي من الكلمات إلى الأفعال. وفي النهاية، يبقى المواطن أسير الانتظار، والوطن يدفع ثمن الانقسام.

أما الشعارات، فقد أصبحت لها ألوانها ورموزها وهتافاتها، حتى كأن هوية فلسطين نفسها ضاعت وسط زحام الهويات التنظيمية. شعارات تُرفع في المناسبات، وهتافات تتردد من المنابر، لكنها في كثير من الأحيان لا تتحول إلى برامج أو مواقف أو أفعال.

تأتي الشعارات ساخنة في الشتاء، باردة في الصيف، ودافئة في الربيع، لكنها لا تطعم جائعاً، ولا تعيد نازحاً، ولا تحمي أرضاً، ولا توقف نزيفاً.

لقد أصبح لكل تنظيم شعاره ولونه ورمزه، حتى كأن فلسطين الواحدة تحتاج إلى ألف هوية، بينما الحقيقة أن الهوية الوطنية الفلسطينية يجب أن تكون المظلة الأكبر التي تلتقي تحتها كل التنظيمات والفصائل.

أما الأخطر، فهو فقر المسؤولية الوطنية.

فلو امتلكت الفصائل والتنظيمات مقداراً أكبر من المسؤولية والحرص على الوطن، لما استمر الانقسام كل هذه السنوات، ولما بقي القرار الوطني موزعاً، فيما غزة تُستنزف بحرب تأكل الأخضر واليابس، والضفة الغربية تواجه تغول الاستيطان ومصادرة الأرض والاعتداء على الإنسان الفلسطيني.

المسؤولية الوطنية ليست شعاراً يُرفع، ولا بياناً يصدر، ولا خطاباً يُلقى من منصة؛ إنها موقف يُدفع ثمنه، وقرار يحتاج إلى شجاعة.

المسؤولية أن نحافظ على مقررات شعبنا، وأن نعترف بالخطأ حين نخطئ، وأن نمتلك شجاعة الاعتذار عندما يكون الاعتذار طريقاً لإنقاذ الوطن.

فالمسؤولية أمانة ثقيلة، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ﴾.

والمسؤولية الفلسطينية اليوم تعني أن تكون دماء شعبنا أغلى من المواقع، وأن تكون فلسطين أكبر من التنظيم، وأن تكون وحدة الشعب أهم من الحسابات الشخصية والفصائلية.

وتعني أيضاً أن تمتلك القوى السياسية شجاعة تقديم التنازلات المتبادلة من أجل الوطن، لا التنازل عن الثوابت؛ وأن تدرك أن التمسك بالموقع لا يمكن أن يكون أهم من إنقاذ شعب، وأن الخلاف السياسي مهما اتسع يجب ألا يتحول إلى انقسام يهدد مستقبل القضية.

نحن لا نحتاج مزيداً من القيادات بقدر ما نحتاج قيادات تتحمل المسؤولية، ولا نحتاج مزيداً من البيانات بقدر ما نحتاج بياناً واحداً يفتح باب الوحدة، ولا نحتاج مزيداً من الشعارات بقدر ما نحتاج فعلاً وطنياً يعيد بناء البيت الفلسطيني.

إن مقولة د. أسامة الفرا لا تحتاج إلى كثير من الشرح؛ لأنها تضع أمامنا معادلة سياسية مؤلمة: فائض في الخطاب، ونقص في الفعل؛ فائض في الشعارات، وفقر في المسؤولية.

وهنا تكمن المعضلة.

فلسطين لا ينقصها الكلام، ولا الشعارات، ولا البيانات، ولا الألقاب.

فلسطين ينقصها القرار.

قرار شجاع يضع الوطن أولاً، ويعيد الاعتبار لوحدة الشعب، ويحوّل القيادة من موقع يُطلب إلى أمانة تُحمل.

فحين تصبح فلسطين أكبر من التنظيم، والشعب أكبر من القيادات، والمسؤولية أكبر من المواقع… عندها فقط يمكن أن يبدأ الطريق الحقيقي نحو إنهاء الانقسام وإعادة بناء البيت الفلسطيني.