عندما تصبح كرة القدم ساحة للرواية.. قراءة سياسية وإعلامية في نهائي كأس العالم بين إسبانيا والأرجنتين
بقلم: شريف الهركلي
عندما تصبح كرة القدم ساحة للرواية.. قراءة سياسية وإعلامية في نهائي كأس العالم بين إسبانيا والأرجنتين
الكوفية لم تعد كرة القدم مجرد لعبة تُحسم نتائجها بالأهداف أو بركلات الترجيح، بل أصبحت واحدة من أكثر أدوات التأثير حضوراً في العالم المعاصر. فالملاعب لم تعد ساحات للتنافس الرياضي فحسب، وإنما تحولت إلى فضاءات تتقاطع فيها السياسة والإعلام والثقافة والهوية الوطنية، حتى باتت بعض المباريات الكبرى تحمل من الدلالات والرسائل ما يتجاوز حدود المستطيل الأخضر.
وعندما يقف اللاعبون قبل انطلاق المباراة وتُعزف الأناشيد الوطنية، لا يُستحضر اسم المنتخب فقط، بل تحضر خلفه ذاكرة وطن وتاريخه وصورته وموقعه في الوعي العالمي. ومن هنا نشأت العلاقة المعقدة بين الرياضة والسياسة؛ علاقة قديمة ومتجددة في آن واحد، تؤكد أن الرياضة كانت دائماً إحدى أدوات القوة الناعمة القادرة على التأثير في الشعوب وصناعة الرأي العام.
وتبقى بطولة كأس العالم الحدث الرياضي الأكثر انتشاراً وتأثيراً على مستوى العالم، حيث تجتمع حولها مليارات العيون من مختلف القارات والثقافات. لذلك فإن أي رسالة أو موقف أو رمز يظهر خلالها يمتلك قدرة استثنائية على الوصول إلى الجماهير، وهو ما يجعلها ساحة مفتوحة للتنافس بين الروايات المختلفة، تماماً كما هي ساحة للتنافس بين المنتخبات.
وفي قراءة المشهد المحيط بالمباراة النهائية بين إسبانيا والأرجنتين، يمكن ملاحظة أن كثيرين لم ينظروا إليها باعتبارها مواجهة رياضية فقط، بل رأوا فيها أبعاداً سياسية وإعلامية مرتبطة بالمواقف الدولية من القضية الفلسطينية. فإسبانيا اتخذت خلال السنوات الأخيرة مواقف أكثر قرباً من الحقوق الفلسطينية، الأمر الذي منحها حضوراً إيجابياً في الوعي الفلسطيني. وفي المقابل، ارتبطت مواقف رسمية أرجنتينية بدعم الاحتلال الإسرائيلي، ما دفع بعض الأوساط السياسية والإعلامية إلى التعامل مع المباراة بوصفها مواجهة رمزية بين روايتين متناقضتين في نظر المتابع الفلسطيني.
وربما لا يكون هذا الربط دقيقاً بالمعنى الرياضي البحت، لكنه يكشف عن حقيقة مهمة مفادها أن الشعوب تقرأ الأحداث الكبرى من زاوية قضاياها الوطنية والإنسانية، وأن الرياضة أصبحت جزءاً من معركة الوعي العالمي. فالجماهير لا تشاهد الأهداف فقط، بل تتابع أيضاً المواقف والتصريحات والرموز التي تحمل رسائل سياسية أو إنسانية.
ومن هنا يبرز سؤال مشروع: أين الرواية الفلسطينية من هذا الفضاء العالمي الواسع؟ وكيف يمكن تحويل الزخم الرياضي إلى فرصة لإيصال صوت الشعب الفلسطيني إلى العالم؟
إن القضية الفلسطينية تحتاج إلى حضور مستمر في مختلف المنصات الدولية، بما فيها الرياضة، باعتبارها لغة عالمية يفهمها الجميع. فمعركة الرواية لا تُخاض في المؤتمرات السياسية وحدها، بل في الإعلام والفنون والثقافة والرياضة وكل مساحة قادرة على الوصول إلى الإنسان أينما كان.
وقد شهد العالم خلال السنوات الأخيرة مواقف لافتة من رياضيين ونجوم عالميين عبّروا عن تضامنهم مع فلسطين، سواء من خلال التصريحات أو رفع العلم الفلسطيني أو ارتداء رموز تعبّر عن الدعم والتضامن. وقد أثبتت هذه المواقف أن الكلمة الصادقة والإشارة الإنسانية قادرتان على كسر الحواجز والوصول إلى ملايين البشر في وقت قصير.
إن المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بردود الفعل، بل بناء استراتيجية إعلامية قادرة على استثمار الأحداث الرياضية والثقافية والاجتماعية في تعزيز حضور الرواية الفلسطينية عالمياً. فالقضايا العادلة تحتاج إلى من يحملها بذكاء ووعي، ويقدّمها للعالم بلغة يفهمها ويحترمها.
قد تنتهي المباراة بتتويج منتخب وخسارة آخر، وقد يطوي التاريخ نتائجها بعد سنوات، لكن الرسائل التي تحملها الأحداث الكبرى تبقى حاضرة في الذاكرة الجماعية للشعوب. ولهذا فإن نهائي كأس العالم ليس مجرد تسعين دقيقة من كرة القدم، بل مناسبة جديدة للتذكير بأن معركة الرواية ما زالت مفتوحة، وأن الشعوب التي تنجح في إيصال صوتها إلى العالم تكون قد حققت انتصاراً لا يقل أهمية عن أي انتصار على أرض الملعب.