انحسار الترامبية .. بداية الانهيار الكبير
نشر بتاريخ: 2026/11/05 (آخر تحديث: 2026/11/05 الساعة: 23:10)

كما كان متوقعاً، وكما كانت تفيد به استطلاعات الرأي، وقراءات الحالة السياسية في الولايات المتحدة، ومآلات الخارطة السياسية والحزبية فيها، جاءت النتائج لتزكي وتؤكد تلك الاستطلاعات والقراءات - ولتضع حداً يمكن اعتباره نهائياً لسنوات طويلة من هيمنة الطغمة الغاشمة في أميركا.

مرة في الفترة الرئاسية الأولى للرئيس الحالي دونالد ترامب، ومرة أثناء حكم الجناح الأكثر دعماً لإسرائيل في الحزب الديمقراطي بقيادة الرئيس بايدن، ثم نصف المرة الحالية في ظل حكم الجناح العنصري الأكثر صهيونية في تاريخ حكم الحزب الجمهوري، والذي سيظل في الحكم طالما بقي الرئيس ترامب حتى نهاية الفترة الرئاسية، والتي يبدو أن عمره السياسي فيها لن يمتد إلى حين انتهائها.

سنأتي في سلسلة مقالات قادمة على انحسار الترامبية من كل زوايا التحليل ومن كافة الأبعاد الفكرية والأيديولوجية، إضافة إلى الأبعاد السياسية الاجتماعية، وانتهاءً بالأبعاد الاقتصادية، ليس في في إطار الوضع الأميركي الداخلي، وإنما في الإطار الدولي الأشمل والأوسع، بما في ذلك، وربما قبل كل ذلك الإطار الذي مثله إقليم الشرق الأوسط في هذا الانحسار، وفي بدايات الانهيار الكبير القادم.

ما يهمنا قبل سلسلة المقالات التي ستأتي تباعاً هو التشخيص الأولي والانعكاسات المباشرة على الإقليم، والملامح الأولية لخارطة الإقليم في ضوء الانتكاسة التي هزت الترامبية من جذورها بقوة.

هناك الكثير من الخلط والاضطراب في فهم هذه الهزيمة المذلة للرئيس ترامب، والترامبية عند الجمهور العربي والإسلامي، وهناك ما لا يقل عنه خلطاً واضطراباً عند بعض أطراف محور المقاومة من زوايا معينة، وهناك بعض مثل هذا الاضطراب عند بعض النخب والمثقفين في منطقة الإقليم، وكذلك لدى بعض الأوساط المعادية للرئيس ترامب والترامبية حتى في البلدان الغربية ومنها الأوروبية.

ليس صحيحاً تماماً، ولا بالكامل أن هذا التصويت لصالح الحزب الديمقراطي وضد الحزب الجمهوري هو تصويت عقابي، عابر ومؤقت.

هذا التصويت ربما يكون التصويت الأقل عقابية لأنه جاء نتيجة ارتفاع غير مسبوق في نسبة الوعي الشعبي، وليس لمجرد ردود أفعال على سياسات هنا وأخرى هناك.

سقوط القلاع الجمهورية التقليدية لا يمكن تفسيره بالتصويت العقابي، والفوارق في النتائج التي بلغت معدلات قياسية كذلك لا يمكن أن تختصر الأمر بالتصويت العقابي.

ثمة حالة وعي جديدة ترافقت مع ردود الأفعال العقابية، وجعلت من النتائج التي ظهرت حالة نوعية جديدة لا يمكن أن تفسرها الحالة التقليدية المعروفة والمعهودة من التصويت العقابي.

وهنا، وعلى أساس ذلك فإنني أزعم بأن العامل الداخلي الأميركي في معادلة التصويت ببعديه الاقتصادي والمعيشي قد ارتبط للمرة الأولى منذ عقود طويلة ماضية بعامل الحرب على إيران، وبعامل العلاقة بدولة الاحتلال، وبذلك وبسبب ارتفاع منسوب الوعي الشعبي الذي أشرنا إليه للتو تكون هذه الانتخابات هي انتخابات فاصلة وحاسمة في قراءة الخارطة السياسية والحزبية في الولايات المتحدة.

وليس كل من نجح في الحزب الديمقراطي سواء في مجلس النواب أو مجلس الشيوخ، أو حتى على مستوى حكام بعض الولايات هم من المعادين لدولة الاحتلال، إذ يعرف من بين هؤلاء الفائزين من هم من مؤيديها، وليس كل من وقف ضد الحرب على إيران هم من المؤيدين للجمهورية الإسلامية إذ إن أعداداً ليست قليلة من هؤلاء الفائزين ينتقدون الدولة الإيرانية، وبعضهم يعتبر من المعادين لها، وذلك لأن الخلط هنا يوقعنا في ضبابية الرؤية والتحليل، وفي فهم المعادلات والتوازنات الداخلية في الخارطتين الحزبية والسياسية في الولايات المتحدة، وفي فهم نمط الوعي السياسي السائد في المجتمع الأميركي.

وهناك خلط واضطراب في التعامل، وفي فهم موقع الفائزين من الأصول العربية والإسلامية، وقد أشار إليه الزميل حسن خضر ولفت الانتباه له بشكل خاص، وهو خلط يتعامل مع هؤلاء الفائزين وكأنهم ليسوا جزءاً من النسيج السياسي والاجتماعي، وحتى الثقافي في المجتمع الأميركي، أو كأنهم ما زالوا جزءاً من المجتمعات العربية والإسلامية بكل ما هي عليه هذه المجتمعات من قيم ومعتقدات ومفاهيم سياسية أو ثقافية.

أما الخاصية الأخيرة والتي أعتبرها الأهم في نتائج هذه الانتخابات فهي سطوع نجم الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي إعلامياً وسياسياً، إذ إن لم يكن على مستوى صعود قيادات من هذا الجناح توازي هذا الصعود السياسي والإعلامي المبهر لهذا الجناح.

الأمر ما زال يحتاج إلى جهود كبيرة ومثابرة حتى يتم هذا التوازي، لكن المؤشرات الأولية تعتبر مبشرة لأن أعداداً متزايدة من كل الفائزين بدأت تتأثر بأطروحات ومفاهيم التيار التقدمي في الحزب، وبدأ هذا التيار يفرض قسطاً من الهيمنة الثقافية داخل صفوف الحزب، وهي هيمنة ثقافية غاية في الأهمية كما هو معروف.

بشكل خاطف وسريع نستطيع أن نتلمس ومنذ الآن أن انعكاسات هذه الانتخابات على الإقليم ستكون عظيمة الأثر والتأثير.

فمن ناحية أولى فإن هزيمة ترامب والترامبية بالتزامن مع الهزيمة التي مني بها نتنياهو وائتلافه تعتبر تغيراً هائلاً في قراءة المشهد الإقليمي في الشرق الأوسط.

سنعالج بشيء من التفصيل في مقالات قادمة هذا المفصل الحساس والخطير، لكن المؤكد أن انحسار الترامبية سيفقد دولة الاحتلال واليمين الفاشي سلاحاً جباراً كان يعتمد على دعمه المطلق، وسيفقد كل من ارتبط مصيرياً بالرئيس ترامب وبالترامبية جزءاً من الأرضية الصلبة التي كان يقف عليها في دولة الاحتلال، خصوصاً بعد أن أصبح الحزب الديمقراطي نفسه مطالباً من قواعده الواسعة بمواقف جديدة.

والمتغير النسبي القادم سيكون تراجع دور اللوبي الصهيوني والإسرائيلي عموماً في الحياة السياسية الأميركية، وتراجع هذا الدور نسبياً أيضاً - وهذا هو الأهم - في التأثير على الإدارات الأميركية بعد سنين طويلة من التلاعب بها.

وأظن أن كل من وقف مع ترامب، وتبنى الترامبية، ومنهم من حفظ مزاميرها عن ظهر قلب في البلدان العربية والإسلامية سيدفع ثمناً على قدر مسؤوليته، وعلى قدر ما تمسك به من الانحياز الأعمى والأطرش أحياناً للرئيس ترامب تحديداً في ظل الأزمة السياسية الحادة في الصراع مع الترامبية بكل تجلياتها السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية على حد سواء داخل المجتمع الأميركي.

والشيء الذي لا بد من تسجيله ونحن نشاهد أولى هزائم ترامب الكبيرة، وأولى هزائم الفاشية في إسرائيل بعد الهزائم الميدانية، وبعد سلسلة لا تنتهي من الإخفاق والفشل لكلا الحليفين، أن دماء وتضحيات الشعب الفلسطيني هي حاضرة بكل قوة في هذه الهزائم، وصمود قوى المقاومة في لبنان والعراق، وفي اليمن هو صمود مقدّر في هذه الهزائم، أما الصمود والصلابة الإيرانية فكان حاسماً على ما تبدو عليه الأمور لكل عاقل، ولكل من يؤمن بأهمية الإرادة، وأهمية صلابة المواقف، وقوة القدرة على المجابهة.