كشفت الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في 27 أكتوبر 2026 مفارقة تستحق التأمل فلسطينيا؛ إذ ارتفع تمثيل القوائم العربية من 10 مقاعد عام 2022 إلى 19 مقعدا، في مقابل استمرار غياب الانتخابات العامة الفلسطينية منذ عام 2006، رغم المخاطر المتصاعدة التي تواجه القضية الفلسطينية.
أدرك قطاع من العرب داخل إسرائيل أن المقاطعة لا توقف السياسات التي يعترضون عليها، وأن المشاركة المنظمة تمنحهم وزنا سياسيا أكبر وفرصة للتأثير، وإن لم تضمن تغيير السياسات الإسرائيلية.
وفي المقابل، لم تنجح القيادة الفلسطينية والفصائل في تجاوز الانقسام واستعادة المسار الديمقراطي.
فبعد تأجيل انتخابات 2021، أُعلن في أكتوبر 2026 تأجيل الانتخابات التشريعية التي كانت مقررة في 28 نوفمبر إلى 11 سبتمبر 2027، مع الاستناد إلى عقبات سياسية وأمنية ولوجستية، وفي مقدمتها تعذر ضمان مشاركة الفلسطينيين في القدس وغزة والضفة الغربية.
وهي تحديات لا يمكن تجاهلها، لكنها تستوجب البحث عن حلول عملية تضمن حق الانتخاب، لا الاكتفاء بترحيل الاستحقاقات.
وتتضاعف خطورة هذا التعطيل في ظل الكارثة الإنسانية في غزة اثر حرب الإبادة الجماعية ، وتوسع الاستيطان في الضفة الغربية، وتصاعد اعتداءات المستوطنين واقتحاماتهم.
وكان يفترض أن تدفع هذه التحديات نحو توحيد القرار الفلسطيني وتجديد الشرعية، لا أن تتزامن مع استمرار الانقسام وحرمان الشعب من اختيار ممثليه.
ولا تكمن المشكلة في تعدد الفصائل، بل في عجزها عن تحويل خلافاتها إلى منافسة ديمقراطية تحسمها صناديق الاقتراع. وهو ما يضع القيادة الفلسطينية، وفي مقدمتها الرئيس محمود عباس، وسائر القوى التي قبلت استمرار التأجيل، أمام مسؤولية سياسية تستوجب المساءلة والعمل على تقريب موعد الانتخابات وضمان احترام نتائجها.
صحيح أن التجربة العربية داخل إسرائيل لا يمكن استنساخها فلسطينيا لاختلاف السياق والأهداف، لكنها تطرح سؤالا جوهريا: لماذا يدفع إدراك المخاطر بعض القوى إلى تعزيز حضورها السياسي، بينما لم تدفع المخاطر الوجودية التي تواجه الفلسطينيين إلى إنهاء الانقسام واستعادة المسار الديمقراطي؟
فالانتخابات وحدها لا تنهي الاحتلال ولا توقف الاستيطان، لكنها تجدد الشرعية وتتيح المحاسبة وتمنح الشعب حق اختيار من يمثله. والمفارقة أن من يواجهون مخاطر سياسية داخل إسرائيل يسعون إلى توسيع حضورهم عبر صناديق الاقتراع، بينما لا يزال الفلسطينيون ينتظرون استعادة حقهم في الاختيار. فمواجهة المخاطر لا تكون بالتحذير منها وحده، بل بتغيير السياسات التي تعمق آثارها؛ وأولى الخطوات أن يستعيد الشعب الفلسطيني حقه في اختيار قيادته ومحاسبتها، بدلا من إبقائه رهينة الانقسام وتأجيل الاستحقاقات