عن الدور القطري
نشر بتاريخ: 2026/09/22 (آخر تحديث: 2026/09/22 الساعة: 14:09)

طرح الفرع الفلسطيني لتنظيم الإخوان المسلمين مشروعاً بديلاً للمشروع الوطني منذ اندلاع الثورة الفلسطينية وحتى إبرام اتفاق أوسلو.

وطوال تلك الفترة رفض تنظيم الإخوان الدخول في منظمة التحرير ورفض برنامجها ورفض اعتماد الكفاح المسلح كشكل نضالي وحيد أو رئيس، وبناء على ذلك عارض المنظمة وفصائلها ونضالها التحرري بتسهيلات من سلطات الاحتلال.

وعندما أعلن التنظيم عن انطلاق – حركة المقاومة الإسلامية - حماس في العام 1988، رفضت حماس المشاركة في القيادة الوطنية الموحدة المنبثقة عن فصائل منظمة التحرير، ونظمت أنشطة موازية، ومتعارضة أحياناً مع الفعاليات المعتمدة من القيادة الوطنية.

ومن الجدير بالذكر أن حركة حماس ومعها حركة الجهاد الإسلامي كانتا عاملاً من عوامل فشل العملية السياسية، من خلال سلسلة من العمليات الاستشهادية.

ثم دخلت حماس الانتخابات استناداً لاتفاق أوسلو واعتبرت فوزها تفويضاً شعبياً يمنحها الشراكة في القرار وربما الاستحواذ عليه بمعزل عن دخولها الشرعية الفلسطينية – م.ت.ف التي تشكل السلطة فرعاً لها وتأتمر بقراراتها.

فوز حماس في انتخابات المجلس التشريعي 2006، ومساهمتها في إفشال اتفاق أوسلو وإضعاف سلطته، وصعود الإخوان المسلمين في مصر، هذه العوامل حفّزَت حركة حماس على تدبير انقلاب عسكري دموي في قطاع غزة أطاح بالسلطة وبشرعية كتلة حماس في المجلس التشريعي الذي أخرجه الانقلاب من المشهد السياسي تماماً.

حدث ذلك في عام 2007 ما تسبب في تعميق فصل الضفة الغربية عن قطاع غزة، وفي دخول حركة حماس في عزلة عربية ودولية قوية، وفي تحويل قطاع غزة إلى سجن كبير.

بررت حركة حماس انقلابها بإزالة العقبة التي فرضتها أجهزة السلطة الأمنية أمام مقاومتها للاحتلال الإسرائيلي. علما أن قوات الاحتلال كانت قد انسحبت من قطاع غزة في العام 2005 وسحبت معها جميع المستوطنين وفككت جميع المستوطنات. وقد شهد العام 2006 - قبل الانقلاب - عملية عسكرية نوعية نفذتها حماس وأفضت إلى أسر جندي إسرائيلي باستخدام نفق عابر للحدود.

ردت إسرائيل بتوجيه ضربات لحركة حماس وردت الأخيرة بإطلاق قذائف صاروخية، وبلغت الاشتباكات ذروتها في حرب 2008 – 2009 التي استمرت 22 يوماً وأوقعت خسائر فلسطينية بشرية ومادية كبيرة. ما وضع حركة حماس في شروط صعبة للغاية.

في العام 2012 وفي سياق صعود الإخوان المسلمين في مصر وتونس وسورية وليبيا، نظم الشيخ حمد أمير قطر السابق زيارة إلى غزة.

وكان في استقباله إسماعيل هنية، رئيس الحكومة المقالة في غزة.

وضع الأمير حجر الأساس لمدينة حمد السكنية، ودشن مشاريع للطرق والبنية التحتية ووضع حجر الأساس لمستشفى الأطراف الصناعية وزار الجامعة الإسلامية وتسلم شهادة الدكتوراه الفخرية، وزاد المنحة للقطاع من 250 مليون دولار إلى 400 مليون دولار.

لا شك في أن دخول رئيس دولة عربية إلى غزة واللقاء الرسمي العلني مع قيادة حماس كان يحمل رسالة سياسية واضحة هي كسر الحصار السياسي والاقتصادي الذي تعاني منه حركة حماس وإضفاء الشرعية على انقلابها في مواجهة الشرعية الفلسطينية - منظمة وسلطة -. ولم يكن الدعم السخي لقطاع غزة المحاصر بالمشاريع والمال إلا غطاء سياسياً لانتشال حماس من عزلتها وإحياء لدورها في تعطيل الحل السياسي من خلال فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية وفي تشجيعها على بناء سلطة موازية قادرة على البقاء دون حاجة للتعاطي مع سلطة فلسطينية واحدة.

وفي المحصلة أدى الموقف القطري إضافة لعوامل أخرى إلى بقاء الانقسام الفلسطيني، وما كانت قطر تستطيع المبادرة إلى الزيارة وإنقاذ حماس سياسياً ودعمها مالياً دون موافقة أميركية إسرائيلية.

وهو ما أكده الشيخ حمد بن جاسم عندما سئل بعد 7 أكتوبر عن دعم حماس فقال: إن إقامة قيادة حماس في الدوحة، ودعمها بالمال، كان بموافقة إسرائيلية وأميركية. وهذا صحيح ومنسجم مع الوظائف التي تقوم بها الدولة القطرية. دورها المميز مع تنظيم الإخوان المسلمين في سائر البلدان، والوساطة مع طالبان، ومستوى من العلاقة مع القاعدة، ودعم للنصرة ومجموعات إسلامية أخرى في سورية وليبيا، ودعم حزب الله وإعادة الإعمار في جنوب لبنان بعد حرب 2006.

بدورها دعمت فضائية الجزيرة المقاومة المسلحة قبل 7 أكتوبر والعمليات الاستشهادية ضد أهداف مدنية ودعمت 4 حروب مواجهة بين أحدث وأقوى الجيوش ومشروع جيش بأسلحة متواضعة وبدائية، ودعمت هجوم 7 أكتوبر ورد حماس على حرب الإبادة على امتداد عامين، ودعمت سيطرة مقاومين مسلحين على مخيم جنين ونور شمس وطولكرم وجزئياً في مخيم بلاطة والبلدة القديمة في نابلس، في محاولة لنقل تجربة غزة في المقاومة إلى الضفة.

كان الخطاب السائد عبر الجزيرة وكل المنابر الممولة من قطر يعزف لحن المقاومة التي ستنتصر أو المقاومة المدافعة عن الحقوق والكرامة والوطن.

مقابل ذلك أزالت السياسة الإسرائيلية كل تفكير بعملية سياسية تؤدي إلى حل ينهي الاحتلال وتحديداً حل الدولتين الدولي المؤيد من 150 - 160 دولة.

أصبح كل حديث عن الدولة الفلسطينية تهمة تجلب لصاحبها الاتهامات من كل حدب وصوب.

وبفعل التناغم بين تمجيد المقاومة ومعاظمة قدراتها، وبين تحطيم مقومات الحل وشطب العملية السياسية، انحاز الرأي العام الفلسطيني وبمستوى أقل الرأي العام العربي إلى المقاومة كمخرج وحيد من المأزق، وبعد هجوم 7 أكتوبر قالوا إننا على أبواب نصر مبين.

وكانت النتيجة كارثة دفع ثمنها الشعب الفلسطيني وقضيته.

الدعم القطري للمقاومة والانحياز لها لم يأتِ عبر موقف حكومي أو بيانات رسمية قطرية، بل جاء من خلال خبراء عسكريين ومحللين مختصين، ومراكز بحث وإعلاميين قدموا خطاباً إعلامياً ودخلوا به كل بيت.

ولمن يتشكك في دور الإعلام القطري الموجه عليه الإجابة عن سؤال لماذا خلت الجزيرة وعشرات المنابر الممولة من قطر من رأي آخر ناقد يتحدث عن مغامرة غير محسوبة تقدم الذرائع لدولة تتنكر لأبسط الحقوق الفلسطينية، رغم أن المنابر تضم أسماء مرموقة في حقول الثقافة والنقد والأكاديميا.

السؤال، هل لهذه الدولة الغنية والمحدودة الجغرافيا والسكان دور إقليمي ونفوذ سياسي مستقل؟

ما يمكن قوله. إن أي قراءة للدور القطري في الموضوع الفلسطيني يشير إلى أن الدعم والتدخلات القطرية وظفت في خدمة أجندات أميريكة وإسرائيلية، كتقوية حماس الرافضة للحل السياسي ومساعدتها على إفشاله، وإضعاف السلطة التي تتبنى الحل وتهميشها وتجريدها من المال والصلاحيات، وفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، وتقويض مقومات الدولة الفلسطينية على الأرض.

هذه أهداف نتنياهو ومعسكره القومي الديني، ما كان ينبغي أن تدعمها قطر بالمال، وبالخطاب الإعلامي والسياسي الشعبوي بشكل مباشر أو غير مباشر؟

لماذا لا تتراجع قطر واستمرت في محاولات تعويم حماس كما هي، بتنظيم مؤتمرات في الدوحة وإسطنبول واستقطاب تنظيمات ونخب لمصلحتها إمعاناً بالتدخل في الشأن الفلسطيني؟

ألا يوجد من يقول كفى؟ لقد خالفت حكومة قطر ميثاق الجامعة العربية وقرارات القمم العربية وميثاق الأمم المتحدة والروابط المشتركة بين الشعبين. وحان وقت التراجع عن أفدح الأخطاء.