رسالة إلى وزير التربية والتعليم ، مطلوب انتفاضة تربوية حقيقية
نشر بتاريخ: 2026/09/14 (آخر تحديث: 2026/09/14 الساعة: 12:35)

معالي وزير التربية والتعليم ،

أكتب إليكم بعد صدور نتائج برنامج التقييم الدولي للطلبة (PISA) 2025 الخاصة بفلسطين ، لا باعتبارها مجرد أرقام في تقرير دولي ، ولا باعتبارها مناسبة لجلد الذات أو تحميل المسؤولية للمعلم والطالب ، وإنما باعتبارها جرس إنذار تربوي يستحق أن نتوقف أمامه بجدية ومسؤولية .

برنامج التقييم الدولي للطلبة (PISA) هو دراسة دولية تجريها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، ومقرها باريس ، وتهتم بقضايا الاقتصاد والتعليم والسياسات العامة . ويستهدف البرنامج الطلبة في سن الخامسة عشرة ، ولا يقيس مقدار ما حفظوه من المناهج فقط ، بل يركز على قدراتهم في الفهم والتفكير والتحليل وتطبيق ما تعلموه في مواقف ومشكلات جديدة ، خاصة في مجالات القراءة والرياضيات والعلوم .

وفي نتائج PISA 2025 الخاصة بفلسطين، ثمة أرقام لا ينبغي أن تمر كخبر عابر . فقد حصل طلبتنا على 354 نقطة في الرياضيات ، و350 في القراءة ، و359 في العلوم ، مقابل متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية البالغ 463 و461 و482 على التوالي .

ولكي نفهم النتائج بعيدا عن لغة الجداول ، يقسم PISA أداء الطلبة إلى مستويات متدرجة . ويعد المستوى الثاني نقطة أساسية في قراءة النتائج ؛ لأنه يمثل الحد الأدنى من الكفاءة الذي يستطيع عنده الطالب استخدام معارفه ومهاراته في مهام بسيطة ، وليس مجرد تذكر معلومة محفوظة . وما دون هذا المستوى يعني أن الطالب لم يُظهر في الاختبار القدرات التي يتطلبها هذا المستوى .

من بين كل 100 طالب فلسطيني في سن الخامسة عشرة، لا يبلغ المستوى الثاني أو ما فوقه في الرياضيات سوى 17 طالبا ؛ أي أن 83 طالبا يبقون دونه. وفي القراءة يبلغ هذا المستوى 22 طالبا ، وفي العلوم 24 طالبا . أي أننا نتحدث عن أغلبية من الطلبة لا تبلغ المستوى الثاني في المجالات الثلاثة .

وفي العلوم تحديدا ، تبلغ نسبة منخفضي الأداء 76.4%، مقابل 25.7% في متوسط دول المنظمة ؛ أي ما يقارب ثلاثة أضعاف النسبة هناك . والأشد إثارة للقلق أن نسبة الطلبة الفلسطينيين في أعلى مستويات الأداء في العلوم بلغت صفرا ، بينما تكاد لا تظهر في المستويات العليا في الرياضيات والقراءة .

هذه ليست مشكلة بضعة طلبة تعثروا في امتحان . إنها علامة قاسية على مخرجات نظام تعليمي كامل . والأخطر أن الصورة ليست جديدة ؛ فقد شاركت فلسطين في PISA للمرة الأولى عام 2022، وجاءت نتائج 2025 بتراجع إضافي في الرياضيات والعلوم ، بمقدار 18 نقطة في الرياضيات و17 نقطة في العلوم مقارنة بعام 2022 ، بينما لم يكن التغير في القراءة ذا دلالة إحصائية. كما ارتفعت نسبة الطلبة دون المستوى الثاني بين 2022 و2025 بسبع نقاط مئوية في الرياضيات ، وأربع نقاط في القراءة، وثماني نقاط في العلوم .

صحيح أن الاحتلال والحرب والفقر والاضطراب السياسي والاقتصادي والاجتماعي عوامل تضغط على التعليم الفلسطيني بصورة هائلة. وصحيح أيضًا أن نتائج PISA لا تقدم الصورة الكاملة للواقع التعليمي الفلسطيني ؛ فقد مثل الطلبة المشاركون نحو 54% من إجمالي عدد أبناء الخامسة عشرة في فلسطين ، وفق تقديرات OECD ، ولذلك ينبغي قراءة النتائج في سياقها وحدودها .

ماذا يحدث داخل منظومتنا التعليمية نفسها ؟ ماذا نعلم أبناءنا ؟ وكيف نعلمهم؟ وهل ما زال الحفظ يحتل المساحة الأكبر من التعليم على حساب الفهم والتفكير والتطبيق ؟ .

هل يتعلم الطالب الرياضيات بوصفها قدرة على حل المشكلات ، أم بوصفها قواعد وخطوات لحل سؤال الامتحان ؟ وهل يتعلم العلوم بالتجربة والملاحظة والمختبر ، أم من صفحات الكتاب فقط ؟ وماذا بقي من القراءة إذا كان الطالب يستطيع قراءة الكلمات، لكنه لا يستطيع فهم النص وتحليله واستخدام ما قرأه في موقف جديد ؟ .

ثم يأتي السؤال الأكثر إحراجا : كيف نوفق بين هذه النتائج وبين العلامات المرتفعة التي يحصل عليها طلبتنا في الامتحانات المدرسية والتوجيهي ؟ .

إذا كان الطالب يحصل على علامة مرتفعة ، ثم تكشف أداة دولية تقيس الفهم والتطبيق أن معظم أقرانه لا يبلغون المستوى الثاني في الرياضيات أو القراءة أو العلوم ، فعلينا أن نملك الشجاعة لنسأل : هل نقيس التعلم فعلًا، أم نقيس قدرة الطالب على اجتياز الامتحان ؟ .

المشكلة هنا ليست في الطالب ، ولا يجوز اختزالها في المعلم. المشكلة في منظومة تحتاج إلى مراجعة من أساسها : المناهج ، وطرق التدريس ، وساعات التعلم الفعلية ، والمختبرات ، وأساليب التقييم ، والإدارة التعليمية ، ونظرتنا إلى معنى النجاح نفسه .

ولا يمكن تجاهل أن التعليم الخاص أصبح بالنسبة إلى كثير من الأسر طريقًا للحصول على فرص تعليم أفضل لمن يستطيع تحمل كلفته . وإذا أصبح التعليم الجيد مرتبطا بالقدرة المالية ، فإننا لا نواجه أزمة تعليم فقط ، بل نبدأ بإنتاج فجوة طبقية في فرص التعلم .

معالي الوزير ،

لا نحتاج إلى لجنة جديدة تدرس الأرقام ، ولا إلى مؤتمر ينتهي بتوصيات تحفظ في الأدراج . نحتاج إلى مراجعة تربوية شجاعة تضع نتائج PISA أمام الوزارة والمدارس والمعلمين والجامعات وأولياء الأمور ، وتحولها إلى برنامج عمل قابل للقياس .

ماذا سنغير في المناهج ؟ ماذا سنغير في إعداد المعلم ؟ كيف سنعيد بناء مهارات القراءة والفهم منذ السنوات الأولى ؟ كيف سنجعل الرياضيات قائمة على التفكير وحل المشكلات ؟ وكيف نجعل العلوم تجربة ومختبرا وملاحظة واستنتاجا ؟ وكيف نعيد النظر في نظام الامتحانات والتقييم الذي قد يكافئ الحفظ أكثر مما يكافئ الفهم ؟ .

نحتاج إلى انتفاضة تربوية حقيقية ، لا إلى تعديلات شكلية . انتفاضة تعيد بناء القراءة والفهم والكتابة منذ السنوات الأولى ، وتحول الرياضيات من حفظ القواعد إلى تدريب على التفكير وحل المشكلات ، وتجعل العلوم تجربة ومختبرا وملاحظة واستنتاجا ، وتعيد النظر في أدوات التقييم التي تكافئ الحفظ أكثر مما تكافئ الفهم .

نحتاج إلى أن نسأل بعد كل امتحان : ماذا يستطيع الطالب أن يفعل بما تعلمه ، لا ماذا يستطيع أن يتذكر منه ؟ .

والخطر الحقيقي ليس أن تكون نتائجنا سيئة ؛ بل أن نقرأها ، ونناقشها أياما ، ثم نعود إلى مدارسنا ومناهجنا وامتحاناتنا وشهاداتنا ، وكأن شيئًا لم يحدث .

إذا كانت هذه أرقام جيل كامل ، فالمسألة ليست امتحانا فشل فيه الطلبة ؛ إنها منظومة تعليمية تحتاج إلى مراجعة جذرية قبل أن نخسر أجيالًا أخرى .

معالي الوزير ، ربما تكون نتائج PISA 2025 فرصة صعبة ومؤلمة، لكنها قد تكون أيضًا فرصة نادرة لإعادة التفكير في تعليمنا من جذوره . والمطلوب ليس الدفاع عن المنظومة، بل إصلاحها قبل أن يصبح الإصلاح أكثر كلفة .

💢 ملاحظة مهمة: نتائج PISA لا تقول إن أبناءنا أقل ذكاء من غيرهم، ولا تحكم على قدراتهم . إنها تكشف مستوى المهارات التي استطاع نظامنا التعليمي أن يبنيها لدى الطلبة في سن الخامسة عشرة . ولذلك فالسؤال الذي يجب ألا يزعجنا : لماذا أخفق أبناؤنا ؟ بل: لماذا أخفقنا نحن في تعليمهم ما يحتاجون إليه؟ .