من يعتاشون على أزمات المجتمع
نشر بتاريخ: 2026/09/09 (آخر تحديث: 2026/09/09 الساعة: 15:19)

من يتذكر مسلسل «صح النوم» لغوّار الطوشة وحسني البرزان؟ كان غوّار الشخص الوحيد الذي يثير المشاكل ويشغّل المخفر، فقام أبو كلبشة بحبسه، فهدأت «حارة كل من إيده إله»، ولم يعد المخفر يشتغل، فخاف أبو كلبشة من تنبّه الحكومة للأمر فتقوم بإغلاق المخفر، لعدم الحاجة له، أو أن تتهمه بعدم القيام بواجباته. وهكذا قرر أن يفرج عن غوّار، ولأنه لا يملك صلاحية ذلك، فكر بحيلة بأن يسهّل عليه إمكانية الهروب، وفعلاً ترك له الباب مفتوحاً، وانتظره ليهرب، فيلقي القبض عليه، ويخرج للإعلام بخبر مثير تعيد له مكانته وأمجاده. المشكلة أن غوّار كان قد قرر التوبة وأن يصبح مواطناً صالحاً، الأمر الذي أزعج أبو كلبشة.

صديقي أنور، درس هندسة تصميم وتركيب المصاعد، بعد تخرجه لم يكن في صويلح حينها سوى بنايتين أو ثلاث بطبقات متعددة تحتاج مصعداً. فسافر إلى أستراليا بحثاً عن فرص أفضل، قادته الأقدار إلى مدينة كبيرة، فاكتشف أنّ جميع بناياتها من طابق واحد أو طابقين فقط، وعليه أن ينتظر سنين طويلة قبل أن تبدأ العمارات العالية بالظهور. لذلك اضطر لتغيير مهنته بالكامل والبدء بمسار مهني جديد.

طيب، لنفترض أن طبيباً افتتح عيادته الخاصة في مدينة سكانها لا يمرضون؛ لديهم ثقافة صحية، وأكلهم صحي، ويمارسون الرياضة، والهواء عليل، والمياه نقية، والشوارع نظيفة، وجميع الأطفال تلقوا التطعيمات الوقائية.. ماذا سيفعل الطبيب؟

الفكرة هنا، أن بعض المهن تبدو في ظاهرها متعارضة مع مصلحة المجتمع العليا، لأن شغلها يعتمد على وجود مشاكل وأزمات في المجتمع، فالطبيب يحتاج مرضى، وسيزدهر عمله في حالة انتشار وباء مثلاً. والمحامي والنائب العام والقاضي يعتمدون في أعمالهم على وجود مشاكل وقضايا وخلافات بين الناس، والتي كلما زادت ازدهرت أعمالهم. وأجهزة الأمن تعتمد في مبرر وجودها على وجود مجرمين وخارجين عن القانون.

لكن هذا لا يحصل. والحقيقة أن الطبيب لا يتمنى تفشي الأمراض والأوبئة، ولا المحامي ولا القاضي ولا أجهزة الأمن يتمنون انهيار الأمن وحصول الفوضى، ولا شركات التأمين ولا أصحاب الكراجات يدعون ربهم أن يُكثر من حوادث السير؛ لأن الناس بطبيعتهم لن يتوقفوا عن إثارة المشاكل، ولن يتحولوا إلى ملائكة، وسيصابون بالأمراض مهما بلغتهم حيطتهم، وسيتعرضون لحوادث مهما كانوا حذرين. ومهما بلغ المجتمع من تقدم وتطور ووعي صحي وساد فيه الأمن والطمأنينة وتفشت فيه مشاعر الوئام والمحبة، في كل الأحوال سيجد الأطباء والمحامون والقضاة ورجال الأمن وأصحاب الكراجات وغيرهم عملاً وزبائن ولن يعانوا من الكساد.

ومع ذلك، ستجد فئة جديدة (غير الفئات التي ذكرناها) تكسب رزقها بطرق مختلفة، مثل تضخيم الأحداث إن وقعت، أو اختلاق مشاكل وافتعال أزمات، وبث الشائعات إن لزم الأمر. هذه الفئة موجودة منذ أقدم الأزمان، لكنها ازدهرت وصارت ظاهرة خطيرة مع انتشار «السوشيال ميديا».

مثلاً: حصل أحدهم على وكالة بسعر مغرٍ لجهاز فلترة المياه، فاستورد «كونتينر» فلاتر، ولسوء حظه كانت البلدية توفر شبكة مياه نظيفة وعذبة المذاق، وبدلاً من تغيير منتجاته واستيراد أشياء يحتاجها الناس فعلاً، قام بترويج حملة دعائية بأن مياه البلدية تحتوي طفيليات خطيرة وفيروسات، ومن يشك في أقواله عليه فحصها في المختبر، معتمداً على أن لا أحد سيقوم بالفحص.

وفي قصة مشابهة حدثت قبل سنوات في غزة، استورد أحدهم شحنة «مناكير» من الصين، ثم تبين له أنها مغشوشة، فإذا ما تعرضت للماء تذوب، وبدلاً من مصارحة الناس بحقيقتها وبالتالي تكبده خسارة، قام بالترويج لها بوصفها «مناكير إسلامية» مخصصة للمؤمنات لأنها لا تنقض الوضوء.

الحكّاء أو الراوي قديماً كان يجمع الناس في المقهى ويسرد عليهم سيرة الهلالي وعنترة والزير سالم، وكان يعتمد في جذب الزبائن والاستحواذ على انتباههم على عنصرَي التشويق والمبالغة.. فلو كان أبطاله أناساً عاديين لما استمع إليه أحد.

اليوم، في زمن الإعلام الفضائي والإنترنت، ظهر الحكاؤون بصورة ومظهر عصري: محلل سياسي، خبير إستراتيجي، كاتب متخصص.. وهؤلاء تزدهر بضائعهم في ظل الأزمات، وفترات الخوف الجمعي، فيلجؤون إلى التضخيم والمبالغات وإثارة العواطف وركوب الموجة بخطاب شعبوي.

هل تذكرون سنوات الكورونا؟ لم يكفِ الناس حينها خوفهم وقلقهم والتدابير الصحية الصارمة التي حبستهم في بيوتهم.. كان يخرج على الإعلام كل يوم طبيب أو عالم بيولوجي أو صحافي استقصائي يتحدثون عن مؤامرات كونية، وفضائح فساد حول منظمة الصحة العالمية، وتورط مختبرات أميركية وصينية. منهم من يشكك في وجود الوباء أصلاً، أو في التطعيمات، أو طبيعة الفيروس. كانوا يثيرون الرعب في قلوب الناس، ويعمقون حيرتهم، والناس تتابعهم بقلق مصحوب بالرعب، وهم يجنون الأرباح من منصات التواصل الاجتماعي إلى أن تبين لنا أن أكثرهم مدّعون، وعلومهم زائفة، ويكذبون.

سأذكركم بأزمة أخرى سبقتها بسنوات. بعد احتلال الكويت وحتى تحريرها، عاش العالم ستة أشهر من الرعب والقلق والانتظار. سأركز على الإعلام العربي الشعبوي في تلك الفترة.. كانت أقوال المحللين والخبراء تُجمع بما لا يترك مجالاً للشك أن صدّام منتصر لا محالة، وأن الأميركيين وحلفاءهم سيولون الأدبار مهزومين أذلاء. لو خرج أي كاتب حينها وقال: إن هزيمة منكرة ستلحق بنا، وسندفع ثمنها لعقود طويلة قادمة.. بالتأكيد سيتم اتهامه بالتخابر مع الاحتلال، وأنه جاسوس، أو مرجف ويبث الإحباط واليأس في صفوف الجماهير، وفي كل الأحوال لن يصدقه أحد.

سأذكركم بأزمة أخرى بدأت قبل ثلاث سنوات وما زالت حاضرة ومؤثرة وشواهدها واضحة لا تحتاج سوى عين سليمة وقلب إنسان وعقل قابل للاستخدام.. إنها حرب الإبادة.. ارجعوا بذاكرتكم إلى أول سنتين وشاهدوا الدويري وبقية معلقي «الجزيرة» وجوقتها الذين طبّلوا للحرب، وتجاهلوا معاناة الغزيين وآلامهم ودماءهم.. تذكروا «المثلثات الحمراء»، و»ما خفي أعظم»، و»الخاصرة الرخوة»، و»غابات الزيتون»، و»بدخلوش بري»، و»مقبرة الغزاة»، و»سيغرقون في رمال غزة».. بعد كل هذا الخراب والدم.. ألم يعد واضحاً أنهم ضللوا الناس، وأخفوا الحقيقة، وتكسّبوا على حساب غزة.

متى سنُصدم؟ ومتى سنتعلم من دروس التاريخ؟