استطلاعات رأي
نشر بتاريخ: 2026/08/17 (آخر تحديث: 2026/08/17 الساعة: 15:34)

كلما اطلعتُ على استطلاع رأي جديد في الساحة الفلسطينية ازددت قناعة بأنها استطلاعات غير دقيقة، ولا تعكس توجهات الشارع الحقيقية، ليس بسبب ما يُقال عن مراكز الأبحاث التي تصدرها؛ بأنها غير مهنية، وذات توجهات أيديولوجية، ولها أجندات، وبعضها مدفوعة الأجر، وتستطيع توجيه نتائج الاستطلاع بحسب ما تريد، من خلال عينات غير ممثلة، ومن خلال التلاعب بطريقة صياغة الأسئلة، وبعض الاستطلاعات كانت معدة بنتائجها مسبقا.. ربما كل ما ذكر صحيح، وربما فيه بعض المبالغة وبعض التجني.. لكن السبب في عدم الثقة بنتائج الاستطلاعات هو الجمهور المستَطلَع نفسه..

في البلدان المتقدمة وذات التراث الديمقراطي، تكون استطلاعات الرأي دقيقة بنسبة خطأ بحدود 5% وربما أكثر أو أقل قليلا، ذلك لأن تلك المجتمعات مستقرة سياسيا واقتصاديا وأمنيا، وفيها فرز طبقي وسياسي واضح، وفيها حرية تعبير، والناس معتادون على استطلاعات الرأي.. ومع ذلك فإن استطلاعات الرأي تعبر عن فترة محددة، وتتغير مؤشراتها من يوم إلى آخر.

في فلسطين (وأغلب المجتمعات العربية) الصورة مختلفة كليا، المجتمع غير مستقر، وغير آمن، خاضع للاحتلال، وتحت وطأة أزمة اقتصادية خانقة، مع انسداد الآفاق السياسية، وليس لديه تراث ديمقراطي ثري وتجربة متراكمة، والجماهير غير معتادة على الممارسات الديمقراطية كالانتخابات، واستطلاعات الرأي، وغيرها.. تحكمها توجهاتها العاطفية والمزاجية، وتؤثر فيها مجموعة كبيرة من العوامل الداخلية والخارجية الضاغطة، وهذه العوامل أغلبها متناقضة ومتعارضة فيما بينها؛ لذا من الطبيعي أن تكون إجابات المستطلعين لا تعبر حتى عن ذواتهم، لأن طريقة التفكير رغائبية وموجهة (سياسيا وأيديولوجيا)، ومتأثرة بالبروبوغاندا الإعلامية التي تضخ في رؤوسهم بقوة وكثافة.. حتى الطبقة المثقفة حين يتم استطلاع رأيها تفكر وتجيب تحت تأثير العوامل نفسها، وأحيانا تعطي نتائج مضللة وغير دقيقة أكثر من الطبقات الشعبية البسيطة وغير المثقفة!

استطلاعات الرأي جزء مهم من أي تجربة ديمقراطية، لكن شأنها شأن الديمقراطية نفسها لا تنضج إلا بالممارسة ومراكمة التجربة والتقييم والاستفادة من الأخطاء.

هذا بشكل عام، وبالتأكيد هناك استثناءات.. لكن الاستطلاع الأخير مهزلة بكل المقاييس.. وأخطر ما فيه أنه أُريد منه التعبير عن الموقف الفلسطيني تجاه الانتخابات التشريعية المزمع عقدها في تشرين الثاني المقبل. المركز الذي نفذ الاستطلاع نشر «بوست» ملونا يظهر خمس نتائج: 79% يرون السلطة عبئا، 70% يطالبون الرئيس عباس بالاستقالة، 40% لن يشاركوا في الانتخابات، 70% يرون أن الانتخابات لن تكون نزيهة، 44% يتوقعون تأجيل الانتخابات.

المعارضون للسلطة وخصومها تداولوا البوست فرحين به، وكأنه حقيقة دامغة، لأنه استهواهم وجاءت نتائجه داعمة لانتقاداتهم للسلطة.. وهذا حقهم. وهنا لدي بعض الملاحظات:

معظم الاستطلاعات تستثني صوت الغزيين، إما عن قصد، أو بسبب صعوبة الأمر، وحتى لو أجريت في داخل القطاع، فإن النتائج لن تكون دقيقة ولا تعكس حقيقة الأوضاع، لأن الظروف المعيشية هناك غاية في الصعوبة، وكل شخص يعاني من أزمات نفسية وعاطفية وضغوطات من كل اتجاه، وفي حيرة من أمره، والمستقبل لديه غامض ومخيف، وفي ذهنه عشرات الأسئلة، وهذا سيؤثر على إجاباته، ومع ذلك يجب الاستماع لأصوات الغزيين وإتاحة الفرصة لهم للتعبير عن آرائهم.. والصعوبة الأهم في اختيار العينات المستطلعة من داخل القطاع، خاصة مع المخاطر الأمنية على جانبي الخط الأصفر.

الجهات التي تنفذ استطلاعات الرأي تمارس ثلاثة أخطاء منهجية، الأول: اختيار أسئلة معينة واستبعاد أخرى لا تقل أهمية، الثاني: تصميم الأسئلة بحيث تكون موجهة بهدف حصر الإجابات باتجاه معين، وكأنها تستخلص الإجابة التي تريدها، والشخص المستطَلع حتى لو تنبه للأمر ليس أمامه سوى خانات محددة مسبقا وعليه الاختيار. الثالث: عند عرض النتائج تركز على ما تريده وتتجاهل ما لا يتوافق مع توجهاتها. أو تعرض النتيجة بطريقة مضللة موجهة، مثلا في الاستطلاع الأخير 40% لن يشاركوا في الانتخابات، وهذا يوحي للقارئ بأن الناس ستقاطع الانتخابات، لأنها ساخطة ومحبطة.. مع أن النتيجة نفسها تقول، 60% سيشاركون في الانتخابات، وهذه نسبة جيدة جدا حتى في مقياس الدول الديمقراطية.

كما تم تجاهل مقياس شعبية «حماس» في قطاع غزة، وانخفاضها بشكل كبير، للتمويه على حقيقة غضب الشارع الفلسطيني من توريطه في السابع من أكتوبر والنتائج الكارثية التي نتجت عنه.

الاستطلاع يقول، 70% يطالبون الرئيس عباس بالاستقالة.. المفترض أن الاستطلاع مخصص للانتخابات التشريعية، بالتالي يجب أن تتركز الأسئلة عليها، مثل هذا الخطأ لا نجده في استطلاعات الرأي في الدول المتقدمة، لكن هنا ولأن الاستطلاع موجه، جرى إقحام الرئيس عباس في الأسئلة لإعطاء إيحاءات معينة للجمهور؛ فالرئيس عباس يمثل السلطة ومنظمة التحرير وحركة فتح، ولديه سياسات وتوجهات معينة، وبالتالي الاستفتاء ليس على شخصه، بل على كل ما يمثله، وهنا المغالطة.. فهناك من لن ينتخبه مثلا لاعتباره أنه أخذ فرصته، فالموضوع ليس استفتاء على «فتح» أو على التوجهات السياسية هنا.

المقصود هنا أن خطورة الاستطلاعات ليس في أخطائها المنهجية وأنها قد تظهر أرقاما ونتائج غير صحيحة، الخطورة هنا في الرسائل الضمنية المشفرة التي يوحي بها الاستطلاع، وطريقة عرضه، وبالتالي تأثيراته على سير الانتخابات المقبلة، وتوظيف النتائج الظاهرة إعلاميا ودعائيا من قِبل الأطراف المتنافسة.

مغالطة أخرى: 79% يرون السلطة عبئا، و70% يعتقدون أن الانتخابات لن تكون نزيهة، وفي الوقت نفسه 60% سيشاركون في الانتخابات! هذا دليل على ارتباك المستطَلعين، أو على طريقة تصميم الأسئلة. وهنا لا يظهر للجمهور الفرق بين من يرى السلطة عبئاً، وبالتالي يجب إسقاطها (وهذا توجه سياسي لليمين الإسرائيلي بالمناسبة)، وبين من يرى وجود أخطاء وفساد وترهل وضعف ومحسوبيات... وبالتالي سيطالب بإصلاح الأخطاء ومكافحة الفساد.. والفرق هنا كبير جدا. لكن من لديه أهداف سياسية مخفية ويمارس دعاية ديماغوجية سيتعمد إخفاء هذا الفرق.

مع ذلك، على «فتح» وغيرها التنبه لما هو قادم، ومعالجة أخطائها، والتحضير الجيد، وعدم الاستهانة بقوة الرأي العام.