ما هو مطلوب من «حماس»..!
نشر بتاريخ: 2026/08/07 (آخر تحديث: 2026/08/07 الساعة: 19:34)

أين وصلت مفاوضات غزة؟

هذا سؤال المليون بالنسبة لمن يعدّون الوقت بالثواني التي تمر ثقيلة على غزة التي وجدت نفسها ملقاة على حافة الموت وسط العذاب.. تنتظر غزة الخروج من هذه الحفرة التي وقعت بها منذ حوالى ثلاث سنوات دون أن يمد لها أحدهم النجاة، وسط صمت القريب والبعيد، وقلة خبرة الأبناء الذين يفاوضون بلا إدراك لطبيعة المأزق، وتلك كانت معضلة المكان الذي وقع بين فكَّي الوحشية والجهل لتنال هذا القدر من الدمار.

ثلاث سنوات أو أقل قليلاً كانت كافية للخروج باستنتاجاتها القاطعة والتي لا تقبل الشك، فالسياسة والحرب هما ابنتا النتيجة وليس النوايا. والنتيجة كانت واضحة منذ الأسابيع الأولى لمن كان يقرأ في السياسة التي كان يجب أن تدار بشكل أكثر رشاقة وذكاء، ولكن من ذهب بالعمل لهذا الحد واضح أنه كان يعوزه ذكاء السياسة وإلا لما وصلت غزة لهذه المحطة.

لسنوات تدور مفاوضات أحد أطرافها حركة «حماس» التي لم تدرك واقع الحرب وخارطة السياسة وموازين القوة وكيف تدار تلك الموازين، فكل شيء كان غائباً سوى بعض الرجاء باستغاثة لم تأت ولم يكن لها أي أرضية سوى حلم بعيد المنال، لكنه كان حلماً شديد الفداحة. وأخشى أن الحركة حتى هذه اللحظة لم تدرك بعد ما هو مطلوب منها. وواضح أن الأمر كذلك؛ فتجربة الحرب كانت تقتضي أن يكون الناس أكثر وضوحاً مع الحركة، خصوصاً الفصائل التي ساهمت بتمديد المفاوضات وتوفير الغطاء لها دون أن تكون لديها الجرأة لقول الحقيقة، والتي دفع ثمنها الغزيون الغاضبون من تلك القوى.. كان يجب أن تقول الحقيقة لـ»حماس» لأن الحركة لم تُجد قراءة الواقع وهي التي استدعت لنفسها هزيمة عسكرية كانت لها ترجماتها على الطاولة، لكنها لم تدرك بعد تلك الترجمات وهذا كان له ثمنه.

أخيراً أبلغت «حماس» الوسطاء أنها مستعدة للتنحي عن حكم غزة وتسليم سلاحها، وبصرف النظر عن المسميات فهو يعني الاعتراف بالنتيجة التي أفرزتها الحرب أمام آلة التوحش الإسرائيلية. فـ»حماس» ليست تنظيماً سياسياً بقدر ما هي كتلة دينية تتأخر دوماً في قراءة السياسة، لكن هذه النتيجة يفترض أنها تعني تحقيق إسرائيل لأهدافها التي رفعتها منذ اليوم الأول للحرب، ما يفترض أن تتوقف الحرب وتبدأ عملية التسليم والتسلم بلا تأخير. فغزة لم تعد تهديداً أمنياً لسنوات وربما لعقود، بعد أن كانت دفيئة المشروع الوطني وتمكنت اسرائيل من سحقها وكيّ وعيها. فما الذي يجري؟

بين ما هو مطلوب وما يجري يكمن التأخير في إنهاء مأساة غزة، فما هو مطلوب من الحركة أن تغادر بهدوء وتترك كل شيء كنهاية للحرب وقد وافقت، لكن ما يجري أن الحركة التي هزمت واستدعت كل هذا الخراب تصر على أن تهندس واقع غزة وتتدخل في التفاصيل. وبين هذا وذاك هناك خشية من ضياع فرصة حانت ولن تتكرر إذا ما أجريت الانتخابات الإسرائيلية. وهذا لم يحدث في أي مجتمع وأي دولة أصر فيها المهزوم على هندسة المكان بعد رحيله، فالحقيقة أن هناك إجماعاً منذ اللحظة الأولى للحرب على إزاحة حكم «حماس» ولم تكن تتوقف الحرب دون الوصول لذلك، وهو ما نصت عليه الخطة الأميركية وهو الرحيل، وهو ما يحظى بإجماع فلسطيني غزي وعربي وإسرائيلي وأوروبي وأميركي.

ليس مطلوباً من «حماس» إخراج اسرائيل من غزة، فهذا فوق طاقتها وقدراتها وإمكانياتها وإدراكها أيضاً، فحساباتها الأيدلوجية مكنت اسرائيل من احتلال ثلثَي القطاع وهي لا تستطيع إخراج اسرائيل لو استمرت لعقود، ويمكن لها أن تفاوض لسنوات دون أن تتمكن، بل سيستخدم الإسرائيلي استمرار وجودها وشروطها لمفاوضات طويلة، فلم يكن مسموحاً للجيش الياباني الذي غامر بضرب بيرل هاربر بأن يكون حاضراً بعد هزيمته ليشارك في هندسة اليابان بعد ما جلبه من خراب، وكما لم يكن مسموحاً لأي من الذين مُنوا بهزائم أن يشاركوا بذلك، فإن في الأمر ما يشي بإنكار النتيجة وزيادة الخسارة. هذا ما يجب أن تفهمه «حماس» والتاريخ مليء بالنتائج المشابهة إذا ما نزلت من علياء الأيديولوجيا وأطلت على واقع السياسة، والتي كان التاريخ معمل مختبراتها الهائلة.

هناك فرصة تلوح وقد بدأت فكفكة العقد، وهي لحظة ينبغي استثمارها وعدم تفويتها، فـ«حماس» أعلنت استعدادها للتخلي عن الحكم والسلاح وأخذت مقابل ذلك الموظفين. وإسرائيل تأخذ هذا التنازل الذي يكفي لإنهاء الحرب ويضمن لها تحقيق شروطها، ونزع الهواجس التي تبالغ فيها وتستخدمها كفزاعة لاستمرار التنكيل بغزة لجعل سكانها يهربون مع أول فتحة معبر وهو مشروع إستراتيجي. صحيح أن نتنياهو يحتاج لإنجاز تسليم السلاح وتنحي «حماس» قبل الانتخابات، وهو ما يفتح الأمل، لكن يمكن للأمن القومي الإسرائيلي أن يدوس نتنياهو، خاصة أن فرصه بتشكيل حكومة تكاد تنعدم من أجل أن يحقق الأمن مشروع التهجير الإستراتيجي، لذا ما هو مطلوب من «حماس» أن تغادر وتترك لغيرها هندسة اليوم التالي، وإلا فتضيع الفرصة ويضيع معها ما تبقى من غزة وأهلها.