مؤشرات التغيير بين الحقيقة والوهم
نشر بتاريخ: 2026/07/06 (آخر تحديث: 2026/07/06 الساعة: 17:54)

لا تتوقف مؤسسات إسرائيلية متنوعة عن إجراء استطلاعات للرأي تكاد تكون يومية، كلما اقترب موعد الانتخابات العامة التي يفترض أن تجري في شهر أيلول القادم، ما لم ينجح نتنياهو في تأجيلها حين لا يجد أنها تصب في مصلحته ومصالح تحالفه.

حتى وقت قريب، ومنذ السابع من أكتوبر، لوحظ أن المعارضة تتفق مع السياسة التي يديرها نتنياهو، بالنسبة للقضية الفلسطينية، والحروب على ايران ولبنان وسورية، لكن أحزابها تتفق على هدف إسقاط نتنياهو وتحالفه اليميني المتطرف.

هذا الاتفاق بين الحكومة والمعارضة على هذه القضايا المفصلية، كان يعكس اتجاهاً عارماً لدى الجمهور الإسرائيلي، الذي يقف خلف السياسة التي يديرها نتنياهو، وتحظى بدعم المعارضة.

غير أن الدنيا تغيرت في إسرائيل نتيجة التغيرات الهائلة التي تشهدها المنطقة، في ضوء فشل الحملات العسكرية الإسرائيلية الأميركية في تحقيق الأهداف الإسرائيلية الكبرى التي سعى لتحقيقها الحليفان.

نعم، إسرائيل حققت بعض الإنجازات التكتيكية العسكرية، لكنها لم تنجح في تحقيق أي من أهدافها، فضلاً عن أنها ألحقت بنفسها أضراراً استراتيجية خطيرة، سواء فيما يتعلق بصورة الردع، أو بعلاقاتها الدولية، والإقليمية، أو فيما يتعلق بوضعها الاقتصادي والاجتماعي، وحتى صورتها التي اهتزت مع عديد الجماعات اليهودية في العالم، وصورتها في الداخل الأميركي بما في ذلك الحزب الجمهوري.

وإزاء وضعية إسرائيل في المنطقة، تحصد إسرائيل نتائج مرة على صعيد توجهاتها لتوسيع الاتفاقيات الإبراهيمية وإقامة أحلاف أمنية مع دول الجوار، أو حتى إقناع دول المنطقة بأولوية الخطر الإيراني، بعد أن اتضح بالملموس أن إسرائيل هي التي تشكل الخطر الداهم على المنطقة. لقد رسخت إسرائيل بسلوكها العملي حالة من الكراهية الشعبية لها في أوساط الشعوب العربية والإسلامية ما يجعل سعيها للتطبيع مع الشعوب أملاً مستحيلاً حتى لو أنها نجحت في توقيع اتفاقيات إبراهيمية مع أنظمة أخرى، وان كان ذلك أمر دونه، استعداد إسرائيل للقبول بشروط ظلت ترفضها ولا تزال.

دولة تهتز، وتصرخ بسبب رفع اللاعب الشاب يامين جمال علم فلسطين وتهتز وتصرخ حين يرفع المدرب المصري، حسام حسن، علم فلسطين ويهدي فوز المنتخب المصري للشعبين الفلسطيني والمصري، دولة مثل هذه بالتأكيد، ستهتز صورتها، أمام جمهورها أولاً وأمام شعوب العالم وبالأخص الشعوب العربية والإسلامية، كونه يعبر عن حالة ضعف، وشعور بالكراهية والعزلة.

إذا كانت استطلاعات الرأي التي تجريها مؤسسات إسرائيلية تركز على حظوظ الأحزاب في الانتخابات المقبلة، والمرشحين الأوفر حظاً لرئاسة الحكومة، وتعطي المعارضة الأفضلية في الانتخابات، فإن استطلاعاً جديداً نشر خلال هذا الأسبوع، يخرج عن المألوف إذ نشر معهد «ميتيفيم» الإسرائيلي بالتعاون مع مؤسسة فريدريش ايبرت الألمانية، استطلاعا جوهرياً، يفحص نسبياً الآثار والأبعاد التي ترتبت على مسلسل الحروب الإسرائيلية الأميركية التي لا تزال مفتوحة.

يشير استطلاع الرأي، أن ٦٦٪ من الجمهور الإسرائيلي يشعر بالقلق إزاء تحول إسرائيل إلى دولة منبوذة في العالم، هكذا يكون نتنياهو الذي جر إسرائيل إلى حروب فاشلة، لإنقاذ نفسه، والمغامرة بالسعي لتحقيق أهداف توراتية، فشل في تحقيقها، قد وضع البلاد كلها أمام معضلة جوهرية، تأخر الإسرائيليون في إدراكها.

ولعل واحدا من أهم استطلاعات الرأي، ما يشير إلى أن ٤١٪ من الجمهور يدعم صفقة دولية تشمل إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح مقابل نزع سلاح «حماس»، والتطبيع مع الدول العربية مقابل 40% عارضوا ذلك. هذا البند يتعلق بجمهور المعارضة التي تصنف على أنها وسط ويمين، ما يشير بوضوح إلى تغير جوهري، في السياسات المقبلة التي قد تتخذها المعارضة بما أنها صاحبة الحظ الأوفر في الفوز بتشكيل الحكومة المقبلة.

يكسر جمهور المعارضة، قرارات الكنيست التي كانت المعارضة قد وافقت عليها، وتنص على رفض إقامة دولة فلسطينية بأي شرط من الشروط كما يكسر قرارات أخرى للكنيست تتعلق بيهودية الدولة.

بشأن خطة ترامب، وخيارات إسرائيل في التعامل معها يرى ٤٨٪ أن الضغط العسكري هو الخيار الأكثر فعالية للقضاء على حركة حماس.

غير أن ٦٠٪ من ناخبي المعارضة، يعتقدون أن هزيمة «حماس» لا تتحقق بالعمل العسكري وحده، ما يشير إلى إمكانية تغيير سياسة التعامل مع خطة ترامب إذ يشير نصفهم إلى انهم يؤيدون الخطة بما في ذلك ما تتضمنه من مسار يقود إلى دولة فلسطينية.

على أن ثمة ميلا نحو مواصلة الحروب لدى ٤٢٪، يؤيدون استمرار الهجمات على ايران لإسقاط النظام، و٦٣٪ يعتبرون أن المنطقة الأمنية في جنوب لبنان، تسهم في حماية منطقة الشمال على المدى الطويل ما يشير إلى دعم استمرار إسرائيل في احتلال جنوب لبنان.

وفيما تستمر مظاهر العنجهية والكراهية تجاه الحلفاء الأوروبيين، الذين يعتبرهم ٦٧٪ على انهم خصم لإسرائيل، تحظى ألمانيا فقط باعتبارها دولة صديقة.

هكذا ترى إسرائيل نفسها في المنطقة والعالم، دون أن يتطرق الاستطلاع لصورة إسرائيل في الولايات المتحدة، التي تشهد تغيرات عميقة جذرية وواسعة، لا يمكن تجاهل تأثيراتها العميقة وبعيدة المدى على إسرائيل.

لقد فشلت كل محاولات وزارة الخارجية الإسرائيلية في تحسين صورتها وفشل اللوبي الصهيوني في مواصلة دوره المعتاد في التأثير على الرأي العام الأميركي وعلى سياسات الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بالرغم من مليارات الدولارات التي صرفت لحماية إسرائيل وتعزيز نفوذ اللوبي الصهيوني.