أما آن لـ «حماس» .. ؟
نشر بتاريخ: 2026/06/26 (آخر تحديث: 2026/06/26 الساعة: 19:01)

 

ألأجل كل هذا عارضت حماس أوسلو ؟

ثلث قرن من الرفض والمشاكسة والصراع مع أوسلو، مؤسساته وهيئاته وضباطه ...ثلث قرن وخطباء المساجد يلعنونه ليل نهار، أمن أجل أن تسلمنا غزة كومة من الخراب وجيشاً إسرائيلياً يعيد احتلالها بعد أن خرج منها ؟

هل يصلح هذا لتقييم التاريخ وللحكم على الأفكار؟

في المجتمعات الحية بعد الحروب ينشأ جدل فكري عميق، لكن المجتمعات العربية لا تتوقف عند الكوارث التي يصنعها البشر ولا مغامرات الحروب الفاشلة.

ولكن التاريخ هو من يتكفل بذلك، فهو لا يحتمل الخفة في إدارة الشعوب.

النتائج أمامنا فادحة والخطاب أشد فداحة من عودة للتخوين والاستعلاء، بعد كل هذه التجربة وبعد أن اعتقدنا أن الزمن فعل فعله في عقلنة المجموعة الفلسطينية لصالح ثقافة وطنية ... لا يمكن التشكيك بحركة حماس رغم أنها تُسلمنا لنتائج لو اجتمع كل المتآمرين على الشعب الفلسطيني لما وصلوا إلى هذا النجاح في كسر العمود الفقري للشعب الفلسطيني. فالتشكيك بحماس يعني الاستخفاف بالشهداء الذين قدمتهم على الطريق الطويل، أولئك الفتية الذين آمنوا بربهم ووطنهم وإهانة للأسرى ولكل الثكالى واليتامى الذين فقدوا الأحبة.

لكن أزمة الحركة أنها لم تعمل في السياسة، حتى حين قررت اقتحام ميدانها كانت تديرها بمنطق الأيديولوجيا.

وربما لمرات كثيرة أكتب منذ أن تم انتخاب حماس أنه بين السياسة والأيديولوجيا طلاق بائن يمكن أن يؤدي إلى كوارث لا تقدر عليها الشعوب، فقد كتبت لدرجة الملل أن السياسة حالة متحركة تعبر عن المصالح فيما الأيديولوجيا حالة جامدة تعبر عن المبادئ ولا يمكن التلاعب بنصوصها، وحينها حذرت مبكراً من أننا أمام خيارين إما تحريك الأيديولوجيا لتتلاءم مع مصالح السياسة والحاكم وفي هذا تلاعب بالدين، أو تجميد السياسة وفي هذا كارثة للبشر وقد حصل.

منذ عقود يوجد التيار الإسلامي في قطاع غزة كحالة دينية تأخرت في التعبير عن نفسها سياسياً، بأسماء متعددة: حركة الإخوان المسلمين .. المجمع الإسلامي ... حركة حماس.

وقد تمكن هذا التيار من تحقيق حضور شعبي تطور مع تطور الحالة الفلسطينية وبلغ ذروة قوته مع حركة حماس التي تمكنت في لحظة ما تعبئة فراغ القتال عندما ذهب التيار الوطني نحو اتفاق أوسلو وإن كانت نتيجة تعبئة الفراغ هذا الأداء المغامر. توسعت الحركة كجسد لكن العقل السياسي للحركة ظل أسيراً للأيديولوجيا ما منعت نموه - الأيديولوجيا دوماً ما تكون قيداً على العقل والثقافة وتمنع تطوره - ليظل في مرحلته الطفولية مصدقاً ببراءة ما كان يقول من شعارات أو يقال له، وهنا كانت مأساتها الإغريقية أن جسد الحركة أصبح أكبر كثيراً من عقلها، وهنا المأزق الذي أدى إلى الكارثة.

كان الأسوأ أن تستغل إسرائيل براءة ومحدودية العقل السياسي للتيار الإسلامي مرات عديدة في غير صالح الشعب الفلسطيني، الأولى التي وثقها الصحافي الأسترالي بول ماغوو في كتابه «اقتل مشعل» كتحقيق استقصائي لعملية الموساد الفاشلة لاغتيال رئيس المكتب السياسي لحماس في الأردن عام 97.

وفي الفصل الأول للكتاب كان يشرح ماغوو السياسة الإسرائيلية التي قررت قطع الطريق على التيار الوطني بعد الخروج من بيروت وقرار ياسر عرفات بنقل ثقل العمل المسلح للأرض المحتلة، وكيف قررت حكومة الذئب شمعون بيرس في الثمانينيات قطع الطريق من خلال دعم حركة المجمع الإسلامي وجعلها نداً في مواجهة منظمة التحرير.

ومن طرائف ما يسرده الكتاب أن الحاكم العسكري لقطاع غزة آنذاك الملقب «أبو صبري» الذي يلعنه معارضو حماس ويتهمونه بأنه من أشرف على التسهيلات للمجمع صُعق بشدة معترضاً على القرار الذي وصله بذلك قبل أن تقال له جملة واحدة «هذا قرار مكتب رئيس الوزراء وعليك الالتزام كعسكري».

في المرة الثانية كان نتنياهو يلقن حزب الليكود درساً في السياسة عندما كانوا يحتجون على حكم حماس لغزة في اجتماع لكتلة الحزب فضحته الصحافة حين قال: «من يريد أن يمنع إقامة دولة فلسطينية عليه أن يؤيدني في الإبقاء على حكم حماس في غزة».

وقد جسد نتنياهو ذلك لسنوات واتضح عندما قررت السلطة تخفيض رواتب غزة عام 2017 ما يعني تخفيض الأموال المحولة شهرياً لغزة ووقف دفع فاتورة الطاقة لمحطة الكهرباء وخوفاً من سقوط حكم حماس قام نتنياهو بطلب ثلاثين مليون دولار من الدوحة لإبقاء ذلك الحكم.

ومن طرائف الحالة أن السفير العمادي يرفض الحضور في آذار 2020 بسبب كورونا فيرسل نتنياهو رئيس الموساد آنذاك يوسي كوهين ومعه قائد المنطقة الجنوبية آنذاك هرتسي هاليفي لنقل المساعدة الشهرية قبل أن يصبح الأخير رئيس أركان ويشرف على الإبادة.

بالأمس تنقل الصحف أن نتنياهو يوافق على إنشاء مطار بجانب غزة وحين يبلغونه بذلك يقول: «لا توجد غزة ولن يبقى منها شيء» تلك فكرة خطيرة كل التقديرات المتشائمة تشير لها، وإسرائيل تريد اقتلاع غزة من جذورها مستغلة براءة حماس وقلة حساباتها في السابع من أكتوبر، والآن تستكمل مشروعها باسم بقاء حكم حماس وبقاء سلاح حماس ولا حل لغزة قبل السلاح، وديماغوجيا تمارسها الدولة الماكرة وتمررها على حركة تمارس السياسة بطفولية قاتلة لتكون النتيجة نجاح إسرائيل بما تريد، هذا الأمر يجب أن يستوقف الحركة التي لم تتوقف في محطات كثيرة استخدمتها فيها إسرائيل.

لكن الآن الأمر خطير، اقتلاع الشعب والمكان لذا مطلوب من حماس أن تطلب مساعدة الكل الوطني والتيار الوطني والفكر الوطني للخروج من هذا المأزق شريطة أن تلتزم بما يتم وضعه، لا أن تستمر باعتقاداتها الخاطئة والمدمرة.

نقلا عن جريدة الأيام