العلاقات الإسرائيلية–الأمريكية في ضوء مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران
نشر بتاريخ: 2026/06/21 (آخر تحديث: 2026/06/21 الساعة: 16:11)

 

تباينت آراء المفكرين والكتّاب والمحللين السياسيين حول آثار مذكرة التفاهم التي جرى توقيعها مؤخرًا، بوساطة باكستانية غير مباشرة، بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران.

فقد رأى بعض المحللين أن هذه المذكرة أحدثت خلافًا واضحًا في العلاقات الأمريكية–الإسرائيلية، بينما اعتبر آخرون أنها تعكس تحولًا استراتيجيًا قد ينعكس مستقبلًا على مكانة إسرائيل ودورها في المنطقة. في المقابل، ذهب فريق ثالث إلى أن الخلاف يتركز أساسًا حول شخصية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وسياساته، دون أن يصل إلى حد التأثير في المواقف الرسمية الأمريكية تجاه إسرائيل.

وقد كشفت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونائبه، وانتقاداتهما العلنية لسياسات نتنياهو وحكومته، إلى جانب هجوم وزراء في الحكومة الإسرائيلية على الاتفاق ووصفه بأنه رضوخ للإملاءات الإيرانية، عن حجم التباين في المواقف بين الطرفين، بل وأظهرت تضاربًا في المصالح بينهما.

فبالنسبة للولايات المتحدة، يمثل الاتفاق مصلحة مباشرة تتمثل في وقف حالة الحرب والاستنزاف، وضمان استقرار الملاحة في مضيق هرمز، لما لذلك من تأثيرات كبيرة على الاقتصاد العالمي عمومًا والاقتصاد الأمريكي خصوصًا. كما يعكس رغبة أمريكية في إنهاء مرحلة طويلة من التوتر والصدام مع إيران، والاستفادة من إمكاناتها الاقتصادية ومواردها النفطية بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

أما إسرائيل، فتنظر إلى استمرار حالة الصراع باعتبارها مصلحة سياسية واستراتيجية. فمن جهة، يسهم استمرار التوترات في توفير بيئة داعمة لحزب الليكود وبقاءه في السلطة ضمن تحالفه مع الأحزاب اليمينية المتطرفة، التي تتبنى مواقف رافضة لقيام دولة فلسطينية وتسعى إلى تجاوز الالتزامات التي ترتبت على اتفاقيات أوسلو. ومن جهة أخرى، ترتبط هذه الرؤية بمشروع أوسع يهدف إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفرض الهيمنة الإسرائيلية من خلال القوة. ولذلك ترى إسرائيل أن بقاء إيران قوة إقليمية فاعلة، وتخفيف الولايات المتحدة من مستوى العداء تجاهها، قد يعرقل هذه الاستراتيجية ويحد من طموحاتها الإقليمية.

ومن هنا يمكن فهم تصاعد الخلافات والتباينات في وسائل الإعلام، رغم عدم ظهور انعكاسات مؤسسية أو ردود فعل جوهرية داخل الولايات المتحدة تجاه هذه الاختلافات حتى الآن.

ومع ذلك، لا يمكن تجاهل التحولات التي تشهدها البيئة السياسية والاجتماعية الأمريكية، خاصة بين فئة الشباب والنشطاء والأجيال الجديدة، التي باتت تنظر إلى السياسات الإسرائيلية في غزة باعتبارها انتهاكًا لحقوق الإنسان، وترى أن الدعم العسكري الأمريكي أسهم في استمرار هذه السياسات. لذلك تتزايد الأصوات المطالبة بإعادة النظر في حجم الدعم المقدم لإسرائيل، وربطه بدرجة أكبر بالسياسات والمصالح الأمريكية.

ورغم كل ما يُثار حول طبيعة الخلافات الراهنة بين واشنطن وتل أبيب، فإن من الضروري تجنب المبالغة في التفاؤل والاعتقاد بأن ما يجري يمثل تحولًا استراتيجيًا نهائيًا في العلاقات بين الطرفين. فقد يكون الأمر مجرد خلاف تكتيكي ستتضح أبعاده الحقيقية خلال الفترة المقبلة.

فمن المعروف أن الاستراتيجية الأمنية الأمريكية في المنطقة تستند إلى ثلاثة مرتكزات رئيسية:

1. الحفاظ على أمن مصادر الطاقة وضمان تدفقها، وهو ما يفسر الوجود العسكري الأمريكي المستمر في منطقة الخليج.

2. حماية أمن إسرائيل، وهو ما يفسر حجم الدعم السياسي والعسكري الذي قدمته الولايات المتحدة لها خلال مختلف الحروب والأزمات السابقة.

3. إدارة التهديدات الإقليمية وفقًا للمصالح الأمريكية، حيث تتغير طبيعة الخصوم والأولويات من مرحلة إلى أخرى تبعًا لمقتضيات السياسة والمصلحة.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن مذكرة التفاهم الأخيرة قد تعكس انتقال العلاقة الأمريكية مع إيران من مرحلة المواجهة والصراع إلى مرحلة البحث عن المصالح المشتركة، وهو ما دفع واشنطن إلى المضي في توقيع الاتفاق رغم التحفظات الإسرائيلية الواضحة.