حين تصطدم المصالح بين المشغل والعمال
نشر بتاريخ: 2026/06/18 (آخر تحديث: 2026/06/19 الساعة: 00:05)

بينما يصر الرئيس ترامب على إنجاح مسار الاتفاق مع إيران، ولا يتردد في إزالة أي اعتراضات عليه بما في ذلك حاشيته المقربة، بما في ذلك وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الحرب بيت هغسث، يصر نتنياهو على المكابرة، والكذب.

ترامب الرئيس الأكثر دعماً لإسرائيل باعتراف نتنياهو لا يتوقف عن الإعلان عن أنه سيضمن نجاح مسار التفاوض حتى آخره، بما في ذلك إلزام إسرائيل التي كان قد اتهم رئيس حكومتها بأنه يعمل على إفشال المسار التفاوضي.

وفي تصريح غريب، قال ترامب إنه ما كان لإسرائيل أن تتمكن من البقاء لو لم يكن هو موجوداً.

ما اعترف به الرئيس الأميركي، تؤكده وقائع الحروب التي اندلعت في المنطقة منذ السابع من أكتوبر على نحو خاص، فلقد جر الولايات المتحدة إلى حرب لا ناقة فيها لبلاده ولا جمل، دفعت خلالها أثماناً وخسائر مادية وعسكرية باهظة.

مخازن السلاح الأميركي في الولايات المتحدة وفي المنطقة كانت مفتوحة على غاربها أمام الجيش الاسرائيلي، والدفاعات الجوية الأميركية في المنطقة، وعند حلفائها هي التي حمت إسرائيل.

الولايات المتحدة ومصالحها في المنطقة كانت بأفضل حال قبل حروب نتنياهو الفاشلة، فقواعدها مستقرة، وإمدادات النفط والغاز، وتريليونات الدولارات، تتدفق على الخزانة الأميركية.

الولايات المتحدة تنطحت للعالم أجمع دفاعاً عن إسرائيل في المحافل الدولية، واستخدمت نفوذها، ومارست ضغوطاً هائلة على مؤسسات العدالة الدولية، وفي مؤسسات الأمم المتحدة حتى لا تتعرض إسرائيل وقادتها للعقاب.

بالنسبة لترامب فقد حانت الساعة، للاختيار بين مصالح الولايات المتحدة، وشعار «أميركا أولاً» وبين مصالح إسرائيل التي اشتغل اللوبي الصهيوني الأميركي على استبداله بشعار «إسرائيل أولاً».

ويبدو أن الرئيس النرجسي، الذي يعتبر نفسه زعيم العالم كله وليس العالم الحر وحسب، قد شعر بقدر من الإهانة، والمساس بشخصيته وهيبته، بسبب سلوك وألاعيب نتنياهو الذي تصرف على أنه يملك نفوذاً قوياً ومسيطراً على الإدارة الأميركية.

إسرائيل تشهد عاصفة هوجاء بعد الإعلان عن مذكرة التفاهم وهو أمر كانت تخشاه كل الوقت وتعمل من أجل إفشال أي اتفاق، فلقد أرادت انتصاراً حاسماً، حتى لو استمرت الحروب لسنوات أخرى طالما أنها تستنزف جيوب دافعي الضرائب الأميركيين.

في مؤتمر صحافي، بعد الإعلان عن موافقة الطرفين الأميركي والإيراني، على مذكرة التفاهم التي يقول إنه لم يطلع عليها، استدعى نتنياهو كل ما حققه جيشه من إنجازات تكتيكية، فلقد أبعد الخطر الإيراني الوشيك على دولته، وأجله لسنوات كما أبعد التهديدات على سكان الجنوب والشمال وأعلن أنه لن ينسحب من غزة ولبنان وسورية.

قائمة إنجازات نتنياهو طويلة، فلقد اغتال قيادات حزب الله والقيادة الإيرانية، وقيادات حماس، ودمر إيران وبرنامجها ومنشآتها النووية.

وبينما رد على ترامب، حين قال: إن هذا اتفاقه وليس اتفاقنا وإننا مسؤولون عن أمننا ومصالحنا الخاصة، أبدى قدراً من التمرد الكاذب، حين أعلن أن الاتفاق لا يشمل لبنان.

لكن نتنياهو الذي وجد نفسه في ورطة حقيقية، اضطر لإصدار تعليماته للجيش بخفض التصعيد، ووقف العمليات البرية والقصف الجوي، وأضفى مصداقية على ادعاءاته، بعدم الالتزام بمعاودة القصف يوم أمس حيث تعرضت بلدة النبطية الفوقا وكفر تبنيت، لقصف أوقع خمسة شهداء لبنانيين.

الذريعة موجودة دائماً، وهي رصد تحركات معادية بالقرب من قوات الجيش الإسرائيلي، وأنه في حالة الدفاع عن النفس، هذه الذريعة الممجوجة التي يستخدمها الجيش الإسرائيلي كل الوقت في غزة ولبنان وحتى في سورية، لم تنطلِ على أحد خصوصاً أنها تبرر عملاً عدوانياً، على أراضٍ تحتلها إسرائيل ما يعطي لأهل تلك الأرض الشرعية لمقاومة الاحتلال، وينزع منه شرعية مواصلة العدوان.

ادعاءات نتنياهو الموجهة لسكان إسرائيل لم تعد تفيده في شيء ولا يمكن أن تنقذه من الانتقادات الحادة التي تجتاح الصحافة الإسرائيلية، والكتاب والمحللين والمعارضة السياسية، ما يضعف فرصه بالفوز، إن كان سيترشح، خلال الانتخابات المقبلة كما قال هو وبأنه يعتزم الفوز.

الاتفاق الذي يتمسك به بقوة الرئيس ترامب، ولاقى ترحيباً من أهل المنطقة، والعالم، على المحك العملي، إذ يترتب عليه الوفاء بتعهداته لإلزام إسرائيل بالاتفاق خصوصاً في ظل التزام إيران وحلفائها.

إيران هددت بالرد على إسرائيل في حال استمرت بالقصف على جنوب لبنان، والأكيد أن حزب الله سيرد على الاعتداءات الإسرائيلة ما لم يتدخل ترامب بقوة على نتنياهو الذي لن يتوقف عن محاولة إفشال الاتفاق.

وعملياً يقامر نتنياهو، بما تبقى له ولدولته من أصدقاء ومدافعين إذ سيجد نفسه في مواجهة مع العالم كله وليس فقط الولايات المتحدة، بعد أن تنفس العالم الصعداء.

الهوة تتسع بين إسرائيل وبين آخر وأهم وأعظم حلفائها وهو الولايات المتحدة، وباتت في موقع الدولة الوظيفية التابعة، التي لا تملك قرارها، حين تفشل في حسن القيام بوظيفتها لدى المشغل.