ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا...
نشر بتاريخ: 2026/06/08 (آخر تحديث: 2026/06/08 الساعة: 14:04)

إلى كل فصائل الشعب الفلسطيني… إلى من حملوا راية النضال بأسمائه المختلفة، وإلى من اختلفوا حتى كاد الوطن يضيع بين تفاصيل خلافاتهم… أما آن لهذا النزيف أن يتوقف؟ أما آن لنا أن ندرك أن ما يجمعنا أكبر ألف مرة مما يفرقنا؟

يكفي هذا الشعب ما أصابه من وجع وويلات وحروب وانقسام وصراعات أنهكت روحه وكسرت ظهره، يكفي غزة ما حملته من نار وحصار ودمار، ويكفي الضفة ما تعيشه من استباحة يومية للأرض والإنسان، ويكفي المخيمات انتظاراً طويلاً لوطنٍ يتسع للجميع لا لطرف دون آخر...

يا فصائل شعبنا الفلسطيني… على ماذا تختلفون اليوم؟ وعلى أي سلطة تتنازعون؟ أهي سلطة تملك قرار الحرب والسلم؟ أم سلطة تسيطر على الأرض والجو والبحر؟ الحقيقة المُرّة التي لا تحتاج إلى تفسير أن كل شيء بات تحت سطوة الاحتلال، الأرض مستباحة، والسماء مراقبة، والبحر محاصر، والإنسان الفلسطيني يطارد في رزقه وحياته وكرامته...

فلماذا يبقى الخلاف سيد المشهد؟ ولماذا يستمر الانقسام وكأننا نملك رفاهية التنازع بينما الاحتلال يسرح ويمرح وينفذ كل ما يريد؟ يقتل متى شاء، ويجوع من يشاء، ويقتحم المدن والمخيمات، ويبتلع الأرض قطعةً قطعة، بينما ينشغل الفلسطيني في خصومة أخيه الفلسطيني...

لذلك إن ما يجمع الفلسطينيين ليس مجرد شعارات تُرفع في المناسبات، بل روابط راسخة لا يمكن كسرها، يجمعنا دين واحد، ولغة واحدة، ودم واحد، وتاريخ واحد، ووجع واحد، وقضية واحدة، يجمعنا حلم الحرية الذي استشهد لأجله الآلاف، وحلم الاستقلال الذي سكن قلوب أجيال كاملة دفعت أعمارها ثمناً لهذا الوطن...

نعم قد تختلف الفصائل في الوسائل، وقد تتباين الرؤى في كيفية الوصول إلى الاستقلال، فهذا يرى المقاومة طريقاً، وذاك يرى السياسة باباً، وآخر يؤمن بالدبلوماسية أو بالصمود الشعبي، لكن الاختلاف في الوسائل لا يجب أن يتحول إلى عداوة، ولا إلى تخوين، ولا إلى تمزيق للنسيج الوطني، فكل الطرق إن صدقت النوايا يجب أن تؤدي إلى فلسطين، لا أن تتحول فلسطين نفسها إلى ضحية للصراع عليها...

لقد منح الانقسام الاحتلال هدية مجانية لم يكن يحلم بها، فتح له الأبواب كي يمرر مخططاته، ويعمّق الاستيطان، ويكرّس الحصار، ويستثمر في ضعفنا وتفرقنا... فالاحتلال لم يكن يوماً أقوى من وحدتنا، لكنه كان دائماً أقوى حين نختلف...

لذلك إن شعباً قدّم هذا الكم الهائل من الشهداء والأسرى والجرحى يستحق من قياداته أن ترتقي إلى حجم التضحيات، وأن تغلّب لغة العقل والوطن على لغة المصالح والحسابات الضيقة، فالتاريخ لا يرحم، والأجيال القادمة ستسأل لماذا ضاع الوقت؟ ولماذا تُركت فلسطين تنزف بينما كان أبناؤها مختلفين؟

إن الوطن أكبر من الجميع، وأبقى من الجميع، ولا أحد يحتكر الوطنية أو يملك حق توزيع صكوك الانتماء... إن فلسطين تتسع لكل أبنائها، ولن تُبنى إلا بشراكة حقيقية، ووحدة صادقة، وإيمان عميق بأن ما يجمعنا أكثر بكثير مما يفرقنا...

كفى انقساماً… كفى خصومة… كفى نزيفاً في الجسد الفلسطيني، فقد آن الأوان أن نلتقي عند كلمة سواء، عنوانها

فلسطين أولاً… وفلسطين للجميع...

يرحمنا ويرحمكم الله...