بين سردية الانفصال ومنطق السياسة: هل تخدم «دحلانستان» فهم الواقع الفلسطيني؟
نشر بتاريخ: 2026/06/07 (آخر تحديث: 2026/06/07 الساعة: 17:30)

تتكرر بين الحين والآخر روايات سياسية تتحدث عن مشاريع انفصالية في قطاع غزة، ويجري أحيانًا ربط هذه الروايات باسم محمد دحلان أو التيار الإصلاحي الديمقراطي في حركة فتح. غير أن أي نقاش جاد حول هذه الفرضيات يجب أن ينطلق من الوقائع والمواقف السياسية المعلنة، لا من التخمينات أو الاستنتاجات غير المسندة.

من الناحية المنطقية، تقوم سردية «دحلانستان» على افتراض أن هناك مشروعًا سياسيًا يستهدف إنشاء كيان منفصل في قطاع غزة. لكن السؤال البسيط هو: أين هي الأدلة السياسية المعلنة على ذلك؟ وأين هي التصريحات أو البرامج التي تدعو إلى فصل غزة عن الضفة الغربية أو إنشاء نظام سياسي مستقل خارج الإطار الوطني الفلسطيني؟

على العكس من ذلك، فإن المواقف المعلنة لقيادة التيار الإصلاحي أكدت مرارًا أن قطاع غزة والضفة الغربية يشكلان وحدة سياسية وجغرافية واحدة، وأن أي ترتيبات مستقبلية يجب أن تنطلق من الحفاظ على وحدة النظام السياسي الفلسطيني ووحدة التمثيل الوطني، باعتبار أن الانقسام كان ولا يزال أحد أخطر التحديات التي واجهت المشروع الوطني الفلسطيني.

كما أن فكرة الانفصال نفسها تتناقض مع المصالح الوطنية الفلسطينية. فلا يمكن الحديث عن دولة فلسطينية أو مشروع وطني قابل للحياة في ظل فصل غزة عن الضفة الغربية. ولهذا السبب ظل الخطاب السياسي للتيار الإصلاحي يركز على مفاهيم الوحدة الوطنية والشراكة السياسية والاستقرار وإعادة الإعمار والحل الوطني الشامل، باعتبارها المدخل الطبيعي لمعالجة آثار الحرب والانقسام.

أما فيما يتعلق بمحمد دحلان شخصيًا، فإن الرواية التي تصور الرجل وكأنه يسعى لإدارة قطاع غزة أو إقامة سلطة خاصة به تتجاهل تصريحات متكررة أكد فيها أنه لا يسعى إلى أي منصب تنفيذي أو موقع سلطوي، وأنه لا يبحث عن دور إداري في غزة أو غيرها. وفي أكثر من مناسبة أوضح أن ما يمكن أن يقدمه هو المشورة أو المساهمة الوطنية إذا طُلب منه ذلك، ضمن إطار وطني فلسطيني جامع، وليس من خلال سلطة منفصلة أو مشروع خارج الإجماع الوطني.

وفي الحقيقة، فإن من يعرف طبيعة العمل السياسي يدرك أن شخصية تمتلك خبرة طويلة وعلاقات إقليمية ودولية واسعة تدرك جيدًا أن أي مشروع انفصالي محكوم عليه بالفشل سياسيًا وشعبيًا. فالوحدة الوطنية ليست مجرد شعار، بل شرط أساسي لأي استقرار سياسي أو إعادة إعمار أو استعادة للحضور الفلسطيني على الساحة الدولية.

ولذلك فإن الترويج لفكرة «دحلانستان» يبدو أقرب إلى توصيف إعلامي أو شعار سياسي منه إلى مشروع قائم على معطيات حقيقية. فالمعيار يجب أن يبقى دائمًا هو المواقف المعلنة والبرامج السياسية والوقائع على الأرض، لا الروايات المتداولة أو الاتهامات المتبادلة.

إن الشعب الفلسطيني اليوم يحتاج إلى خطاب يوحد ولا يفرق، ويبني جسور الشراكة الوطنية بدل تعميق الانقسام. كما يحتاج إلى التركيز على القضايا الحقيقية التي تشغل الناس، وفي مقدمتها إعادة الإعمار، واستعادة الوحدة الوطنية، وتحقيق الاستقرار، وبناء شراكة سياسية قادرة على مواجهة التحديات الوطنية الكبرى.

وفي النهاية، فإن أي مشروع وطني جاد لا يمكن أن يقوم إلا على قاعدة واضحة: غزة والضفة وحدة سياسية وجغرافية واحدة، ووحدة النظام السياسي الفلسطيني ليست خيارًا تكتيكيًا، بل ضرورة وطنية لا غنى عنها. أما الحل الوطني الشامل، القائم على الشراكة والوحدة والاستقرار، فهو الطريق الأقصر لاستعادة قوة القضية الفلسطينية وحضورها.