نشر بتاريخ: 2026/08/21 ( آخر تحديث: 2026/08/21 الساعة: 16:02 )
نضال خضرة

لماذا الهجوم على فرضية تحالف دحلان مع حماس؟

نشر بتاريخ: 2026/08/21 (آخر تحديث: 2026/08/21 الساعة: 16:02)

الكوفية تُثير مجرد فرضية وجود تقارب أو تفاهم بين التيار الإصلاحي الديمقراطي بقيادة محمد دحلان وحركة حماس عاصفة من الجدل داخل الساحة الفلسطينية، وكأن مجرد طرح الفكرة يمثل خروجًا على قواعد السياسة الفلسطينية.

لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح ليس: هل نحب هذا التقارب أم نكرهه؟

بل: لماذا يبدو احتمال حدوثه صادمًا إلى هذه الدرجة؟ ومن المستفيد من إبقاء الخصومات القديمة ثابتة إلى الأبد؟

فالسياسة لا تُبنى على المشاعر، ولا تتحرك وفق قاموس الخصومات التاريخية وحدها، وإنما تتغير عندما تتغير المصالح وموازين القوى والظروف المحيطة.

ومن هنا، فإن فرضية التقارب بين دحلان وحماس تستحق أن تُقرأ باعتبارها احتمالًا سياسيًا قابلًا للنقاش، لا باعتبارها جريمة سياسية أو تناقضًا يستحيل حدوثه.

دحلان… سياسة المصالح لا سياسة الجمود

محمد دحلان يمثل، في نظر مؤيديه وخصومه على حد سواء، نموذجًا مختلفًا في إدارة السياسة الفلسطينية.

فهو لا يتعامل مع التحالفات باعتبارها علاقات أبدية، ولا يرى أن الخصومة السياسية يجب أن تتحول بالضرورة إلى عداوة دائمة.

وهذا هو جوهر البرغماتية السياسية: أن تتغير التحالفات عندما تتغير المصالح فالفاعل السياسي البراغماتي لا يسأل فقط: من كان خصمي بالأمس؟

بل يسأل أيضًا: من يمكن أن أتعامل معه اليوم؟ وما الذي يمكن أن نحققه معًا؟ وما الذي يمكن أن نخسره إذا رفضنا الحوار؟ وهذه ليست قاعدة خاصة بدحلان، بل واحدة من أكثر القواعد رسوخًا في السياسة الدولية.

فالدول التي خاضت حروبًا طويلة يمكن أن تتحول لاحقًا إلى حلفاء، والحركات التي تبادلت الاتهامات لعقود يمكن أن تجلس إلى طاولة واحدة عندما تفرض الظروف ذلك، فلماذا يُطلب من الفلسطينيين تحديدًا أن تبقى خلافاتهم التاريخية أبدية؟

إذا حدث التقارب… فماذا يعني ذلك للخصومة القديمة؟ هنا نصل إلى النقطة الأكثر حساسية.

إذا نجح دحلان وحماس في بناء تفاهم سياسي حقيقي، ولو كان محدودًا أو مرحليًا، فإن ذلك سيطرح سؤالًا صعبًا على الخطاب السياسي الذي بُني طوال سنوات على تصوير العلاقة بين الطرفين باعتبارها خصومة غير قابلة للكسر، فالتقارب لا يعني بالضرورة أن أحد الطرفين أصبح يتبنى أيديولوجية الطرف الآخر ولا يعني أن الخلافات التاريخية اختفت.

بل يعني شيئًا أبسط: أن المصالح السياسية قد تصبح في لحظة معينة أقوى من الخصومة القديمة وهنا تصبح بعض الاتهامات المتبادلة التي حكمت مراحل سابقة بحاجة إلى إعادة قراءة.

فإذا كان من الممكن اليوم أن يجلس الخصمان على طاولة واحدة، فهذا يعني أن جزءًا من الصراع السابق كان مرتبطًا أيضًا بصراع السلطة والنفوذ والمرحلة السياسية، وليس فقط بالخلافات الفكرية والعقائدية.

وهذا لا يلغي مسؤولية أي طرف عن أخطائه السابقة، لكنه يمنعنا من التعامل مع الخصومة السياسية وكأنها حقيقة أبدية لا تتغير. لكن السؤال الأهم: لماذا يُسمح لفتح بما لا يُسمح لدحلان؟ وهنا تظهر واحدة من أكثر المفارقات إثارة للاهتمام.

فعندما تدخل حركة فتح الرسمية في حوار أو تفاهم مع حماس، يُقدم الأمر عادة باعتباره ضرورة وطنية، ومحاولة لإنهاء الانقسام، وتوحيد الصف الفلسطيني وهذا مفهوم سياسيًا لكن لماذا يتحول الأمر نفسه عندما يتعلق بدحلان إلى تهمة أو مؤامرة أو خيانة للمواقف السابقة؟

لقد شهدت السنوات الماضية لقاءات وتفاهمات بين شخصيات قيادية من فتح وحماس، من بينها تفاهمات إسماعيل هنية وصالح العاروري من جانب حماس، مع قيادات حركة فتح من بينها اللواء جبريل الرجوب، كما صدرت مواقف أخرى من قيادات حركة فتح أبرزهم عضوا اللجنة المركزية محمد أشتية أكدت أهمية الحوار مع حماس في مواجهة التحديات الفلسطينية.

وهذا يعني أن الحوار مع حماس ليس اختراعًا دحلانياً بل هو خيار استخدمته أطراف فلسطينية متعددة عندما رأت أن الظروف السياسية تفرضه، وبالتالي، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا يتحدث دحلان مع حماس؟ . بل : لماذا يصبح الحوار مع حماس مشروعًا وطنيًا عندما تقوم به جهة، ومؤامرة عندما تقوم به جهة أخرى؟

هل التحالف يعني نهاية الخلاف؟ بالطبع لا: حتى لو افترضنا أن هناك تفاهمًا سياسيًا بين دحلان وحماس، فإن ذلك لا يعني أن حماس أصبحت جزءًا من التيار السياسي لدحلان، ولا أن دحلان أصبح جزءًا من مشروع حماس.

السياسة أكثر تعقيدًا من ذلك، قد يتفق خصمان على إدارة ملف معين، بينما يختلفان في عشرات الملفات الأخرى.

وقد يتحالف طرفان لفترة محددة لتحقيق هدف مشترك، ثم يعودان إلى التنافس بعد انتهاء الهدف، وهذا ما يجعل استخدام كلمة “تحالف” نفسها بحاجة إلى قدر من الحذر، ربما يكون الأدق الحديث عن تقارب أو تفاهم أو ترتيبات سياسية محتملة، إلى أن تظهر أدلة واضحة على وجود تحالف استراتيجي متكامل.

لماذا تخيف الفكرة بعض الفصائل؟

لأن أي إعادة تشكيل للتحالفات تعني بالضرورة إعادة توزيع للنفوذ وهذه هي النقطة التي غالبًا ما تضيع وسط الضجيج الإعلامي.

إذا اجتمع طرف يمتلك علاقات إقليمية ودولية واسعة مع حركة تمتلك حضورًا تنظيميًا وشعبيًا في الساحة الفلسطينية، فإن مجرد هذا التقارب يمكن أن يخلق معادلة سياسية جديدة.

وهنا تصبح القضية أكبر من دحلان وحماس، إنها تتعلق بمن يمتلك القدرة على صياغة المرحلة الفلسطينية المقبلة، ومن سيكون داخلها، ومن سيجد نفسه خارجها، ولهذا، فإن مقاومة الفكرة قد لا تكون دائمًا نابعة من رفضها السياسي بقدر ما تكون نابعة من الخوف من نتائجها على موازين القوى الداخلية.

البراغماتية ليست خيانة

في النهاية، يمكن رفض أي تحالف سياسي أو انتقاده، وهذا حق مشروع، لكن لا يمكن رفض مجرد الفكرة لأنها تتناقض مع خصومات الماضي، فالسياسة الفلسطينية تحتاج إلى الخروج من منطق:“هذا كان خصمي، إذن سيبقى خصمي إلى الأبد”.

والانتقال إلى منطق أكثر واقعية:

ما الذي يخدم القضية الفلسطينية في هذه المرحلة؟
فإذا كانت المصالح الوطنية تفرض الحوار، فالحوار يصبح أداة، وإذا فرضت الظروف التفاهم، يصبح التفاهم خيارًا، وإذا أثبت الواقع أن خصوم الأمس يستطيعون التعاون في ملف محدد، فلا ينبغي أن تكون الخصومات التاريخية حاجزًا أمام ذلك.

لذلك، فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كان دحلان وحماس يستطيعان أن يتفقا.

السؤال الحقيقي هو:ماذا سيحدث للساحة الفلسطينية إذا اتفقا؟. فربما لا تكون المشكلة في فرضية التحالف نفسها… بل في أن هذا التحالف، إذا تحقق، قد يعيد رسم خريطة التحالفات الفلسطينية بأكملها عرض أقل