بين نتنياهو وأميركا .. ترامب يختار أميركا!
عبد المجيد سويلم
بين نتنياهو وأميركا .. ترامب يختار أميركا!
قلنا في المقال السابق، وفي مقالات سابقة أخرى، إن هناك لحظة فارقة في علاقة ترامب والترامبية من جهة، ونتنياهو من جهة أخرى. وأصل الحكاية كلها، وسر هذه الحكاية، أن الرئيس ترامب، وهو المهووس بالصفقات، بات أمام مفترق هو الأخطر عليه كرئيس، وعلى جماعته، ومعظم قاعدته الانتخابية، وعلى وحدة ومستقبل الحزب الجمهوري كله.
تعالوا لنحاول، معاً، تتبع الحكاية، كيف بدأت، وكيف تطورت، وكيف انتهت إلى ما انتهت إليه.
نتنياهو هو الحليف المفضل للرئيس ترامب وللترامبية بكل المعاني وبكل المعايير، وترامب والترامبية هما قاعدة الارتكاز الأصلب والأضمن للائتلاف الحاكم في تل أبيب، على الأقل من زاوية الطموحات الإسرائيلية المباشرة في مرحلة «حسم» الصراع، وفي مرحلة «الشرق الأوسط الجديد»، وفي الأهداف المعلنة حول إسرائيل الكبرى أو العظمى، كما وصفها نتنياهو نفسه قبل عدة أيام فقط.
بعد تعثر الحرب الإسرائيلية على غزة على مدى أكثر من عامين ونصف العام، وبعد تكسر القوات الإسرائيلية على حافة الجنوب اللبناني في حرب الإسناد، وبعد الفشل الأميركي الإسرائيلي المشترك في الحرب على اليمن، وإجبارهما على الانكفاء بالانسحاب الأميركي والتراجع الإسرائيلي عن مهاجمة اليمن، والتسليم بسيطرته على البحر الأحمر، وبعد اندلاع موجات شعبية عارمة نصرة لفلسطين في مشهد كاسح إثر حرب الإبادة والإجرام، والسقوط المدوي للرواية الإسرائيلية، والعزلة الدولية التي تعرضت لها دولة الاحتلال، وطالت الولايات المتحدة، ووصلت إلى كل البلدان الغربية التي دعمت حرب الإبادة، أو غطت عليها، وصمتت أمام كل أهوالها.
بعد كل هذه الحقائق والوقائع، تمت الزيارة التي قام بها نتنياهو للبيت الأبيض، والتي تقرر فيها نقل الحرب إلى إيران. هنا، وهنا بالذات وبالضبط، وقع الرئيس ترامب في الفخ الذي نصبه له نتنياهو؛ فخ الإغراء بأن المصالح الحيوية العليا للولايات المتحدة ولدول الإقليم ولإسرائيل ستبقى مهددة ما بقي النظام الإيراني قائماً وقوياً، وأن كل الحروب والمعارك في الإقليم كله، وفي مختلف الجبهات، ستحسم بسرعة ودفعة واحدة إذا ما تم إسقاط النظام في طهران، وأن على الولايات المتحدة أن تحسم أمرها باتخاذ قرار «تاريخي» بالحرب الحاسمة على إيران، مهما كلف الأمر ومهما كانت الخسائر، لأن حسم هذه المسألة لمصلحة الولايات المتحدة لن يوفر فقط الفرصة التاريخية لإعادة سيطرة الولايات المتحدة وكذلك السيطرة الإسرائيلية على كامل الإقليم وإخضاعه، وإنما سيوفر الفرصة التاريخية الأكبر لإعادة التأكيد على المكانة الدولية للولايات المتحدة، من خلال قطع الطريق على الصين، ومن خلال التهديد المباشر للحدود الروسية، ومن خلال إعادة إخضاع أوروبا بعد السيطرة على الطاقة في كامل الإقليم، والسيطرة على سلاسل التوريد، وعلى الطرق والممرات البحرية، وإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية فيه لمصلحة التحالف الأميركي، وبلا منازع أو منافس حقيقي.
تلك كانت القراءة التي قدمها نتنياهو للإدارة الأميركية، وأرفقها، كما بتنا نعرف الآن، بخطة عسكرية متكاملة تم إعدادها على مدى شهور كاملة، واستخدمت فيها معطيات محدثة، ويتم تحديثها على مدار الساعة بأحدث الوسائل التكنولوجية وأجهزة الرصد والمتابعة، وبالتعاون مع عشرات آلاف العناصر البشرية المدربة والمنظمة، على كل صغيرة وكبيرة، لإنجاز الهدف، والذي هو إسقاط النظام، مهما أدى ذلك من خسائر تطال كل المؤسسات الإيرانية، وكل مقدرات الشعب الإيراني أو الشعوب الإيرانية.
بمجرد فشل الهجوم الأميركي الإسرائيلي، بعد رزمة الرعب والسيطرة، بعد اغتيال القيادة الإيرانية في حرب الـ 12 يوماً، وقبلها في الموجة الأولى من الحرب وبعدها، وتباعاً، وبمجرد أن بدأت إيران تكشف تباعاً أيضاً عن قدراتها العسكرية، وبدأ التدمير الكبير للقواعد الأميركية، حيث بتنا نعرف الآن أن 28 قاعدة قد تم استهدافها وإخراجها عن الخدمة، إضافة إلى استهداف عشرات القواعد العسكرية والمراكز الحيوية الحساسة في دولة الاحتلال وإلحاق أضرار بها، وبمجرد إشعال إيران لأكبر أزمة طاقة في التاريخ الحديث، والتهديد الذي بدأ ينذر بأزمات اقتصادية واجتماعية في العالم كله، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة.
بمجرد أن أخذت الحرب على إيران هذا المسار وهذه الوجهة، تحولت الحرب لصالح إيران، وتحولت الحرب من حرب قدرات عسكرية إلى حرب أوراق الحرب. من يملك تلك الأوراق؟ وهل لديه الفرصة والإمكانية لكي يلعب هذه الأوراق؟ وهل يجيد استخدامها ويتقن إدارة هذا الاستخدام؟!
إلى هنا، كانت الحرب في مسارها المحكوم نحو النهاية، وإلى هنا، كان الفشل الأميركي قد تحول إلى هزيمة، وإلى هنا، كان التوقف عند هذه النقطة من الفشل والهزيمة هو بمثابة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وبمثابة أكبر عملية حصر وتقليل الخسائر بعد هزيمة أميركا في فيتنام.
والحقيقة أنها أكبر عملية إنقاذ في تاريخ الولايات المتحدة كله، بالمقارنة مع أخطار استمرار الحرب، بعد أن أصبح واضحاً كل الوضوح بأن إيران ماضية في استراتيجية الصمود، مهما كلف الأمر، وأنها تمتلك كل الإرادة السياسية المطلوبة لخوض هذه الحرب إلى النهاية، وأن لديها كل القدرات والمقدرات للانتصار الحتمي فيها، وأنها تمتلك كل الأوراق التي تمكنها من هذا الانتصار.
وصل الرئيس ترامب إلى طريق مسدود لأن الحرب وصلت إلى طريق مسدود، ولأن استمرار الحرب سيؤدي إلى تحول الفشل من الهزيمة إلى الكارثة الوطنية الكبرى. وهنا بالضبط، اختار ترامب المصالح الأميركية، ولم يعد أمامه سوى القبول بالشروط الإيرانية، وهي الشروط التي عرفت كيف تحولها إيران بحنكة واقتدار إلى شروط تنسف الأهداف الإسرائيلية من أساسها، وتحدث أكبر شرخ في العلاقة بين الترامبية، في هذه الظروف الخاصة والدقيقة من أزمتها، وبين دولة الاحتلال في نسختها وطبعتها العنصرية الإبادية المنفلتة من كل عقال.
وهنا بالذات، وهنا بالضبط، بدأ مسار البحث عن «البدائل الإسرائيلية» لمرحلة ما بعد نتنياهو، وبدأ مسار البحث عن صفقات تشمل الإقليم، وعن خطط جديدة لإعادة موضعة إسرائيل في مكانة جديدة لا تتفق ولا تتوافق مع نتنياهو ولا كل حكومته؛ لذلك وجب الاستغناء عن خدماته.