من النكسة إلى الإبادة: ستة عقود من اختلال العدالة الدولية
قراءة في تحولات القضية الفلسطينية بين ذاكرة الهزيمة وتحديات الحاضر
من النكسة إلى الإبادة: ستة عقود من اختلال العدالة الدولية
الكوفية في الخامس من حزيران من كل عام، لا يستحضر الفلسطينيون مجرد تاريخ عابر في الذاكرة الوطنية، بل يعودون إلى واحدة من أكثر المحطات إيلاماً وتأثيراً في تاريخهم المعاصر؛ يوم النكسة عام 1967، اليوم الذي تبدّلت فيه الجغرافيا السياسية للمنطقة، وتوسّعت فيه دائرة الاحتلال لتشمل ما تبقى من الأرض الفلسطينية، بما فيها الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية. كما احتُلت خلال الحرب أراضٍ عربية أخرى في كل من مصر وسوريا والأردن.
لم تكن النكسة مجرد هزيمة عسكرية استمرت أياماً معدودة، بل تحوّلت إلى لحظة مفصلية أعادت تشكيل الوعي الوطني الفلسطيني، وأطلقت مرحلة جديدة من النضال السياسي والوطني، كان عنوانها الأساسي استعادة القرار الوطني الفلسطيني المستقل وصون الهوية الوطنية من محاولات التذويب والإلغاء.
لماذا يحمل الخامس من حزيران هذه الرمزية الثقيلة؟
لأن هذا اليوم يمثّل في الوعي الفلسطيني انتقال القضية من مرحلة فقدان جزء من الوطن إلى مرحلة اكتمال الاحتلال على كامل الأرض الفلسطينية التاريخية. ومنذ ذلك التاريخ، أصبح الفلسطيني يعيش تحت واقع طويل من الاحتلال والاستيطان والتهجير والاعتقالات ومحاولات فرض الأمر الواقع.
ولهذا لا يُنظر إلى الخامس من حزيران باعتباره ذكرى تاريخية فقط، بل باعتباره جرحاً مفتوحاً لم يلتئم بعد، لأن أسبابه ونتائجه ما زالت حاضرة في الحياة اليومية للشعب الفلسطيني.
بعد تسعة وخمسين عاماً على النكسة، يجد الفلسطيني نفسه أمام مشهد يعيد طرح الأسئلة ذاتها بصورة أكثر إيلاماً. فالحرب المدمرة على قطاع غزة منذ تشرين الأول 2023 وما رافقها من دمار هائل وخسائر بشرية وأزمة إنسانية غير مسبوقة، أعادت إلى الواجهة جوهر القضية الفلسطينية باعتبارها قضية شعب يسعى إلى الحرية والاستقلال وإنهاء الاحتلال وتحقيق الوحدة الوطنية واغلاق ملف الانقسام.
ورغم اختلاف الظروف بين عام 1967 والواقع الراهن، فإن الرابط الأساسي بين المرحلتين يتمثل في استمرار الصراع على الحقوق الوطنية الفلسطينية، واستمرار معاناة المدنيين الفلسطينيين تحت وطأة الحرب والاحتلال، واستمرار الحاجة إلى حل سياسي عادل يضمن الأمن والكرامة والحرية للجميع.
كان الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات يؤكد دائماً أن:
“الثورة الفلسطينية وُجدت لتبقى حتى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.”
وهي مقولة ارتبطت بإصراره على أن الهزائم العسكرية لا تعني نهاية الحقوق الوطنية.
أما عضو اللجنة المركزية التاريخي خليل الوزير فكان يرى أن:
“الشعوب التي تناضل من أجل حريتها لا يمكن أن تُهزم.”
وهي رؤية استندت إلى الإيمان بقدرة الشعب الفلسطيني على الصمود رغم التحولات الكبرى.
كما أكد صلاح خلف في أكثر من مناسبة أن:
“قوة الفلسطيني الحقيقية تكمن في وحدته الوطنية.”
وهو مفهوم ما زال يحظى بحضور واسع في الأدبيات السياسية الفلسطينية.
بعد المؤتمر الثامن لحركة فتح: ما المطلوب وطنياً؟
انعقد المؤتمر العام الثامن لحركة فتح في أيار 2026 باعتباره محطة تنظيمية وسياسية مهمة لمراجعة البرنامج السياسي وتجديد الأطر القيادية للحركة، في ظل ظروف فلسطينية وإقليمية شديدة التعقيد. وقد ركز المؤتمر على البرنامج السياسي والوطني وتجديد المؤسسات القيادية وتعزيز مشاركة الشباب والمرأة.
ومن منظور رؤية حركة فتح والسلطة الوطنية الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية، يمكن تلخيص الأولويات المطلوبة في المرحلة المقبلة بما يلي:
1. تعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية وإنهاء الانقسام باعتباره أحد أكبر التحديات التي تواجه المشروع الوطني.
2. إعادة إعمار قطاع غزة ودمجه ضمن رؤية وطنية شاملة تحافظ على وحدة النظام السياسي الفلسطيني.
3. تطوير مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
4. توسيع الحضور السياسي والدبلوماسي الفلسطيني دولياً لحشد الاعتراف بالدولة الفلسطينية.
5. تمكين الشباب والمرأة داخل المؤسسات الوطنية والحركية.
ان التحدي الحقيقي أمام المشروع الوطني الفلسطيني اليوم لا يكمن فقط في مواجهة الاحتلال، بل في القدرة على تحويل الصمود الشعبي إلى مشروع سياسي قادر على تحقيق إنجازات ملموسة.
فبعد عقود من الصراع، لم يعد السؤال الفلسطيني مقتصراً على كيفية الحفاظ على القضية حية في الوعي الدولي، بل أصبح متعلقاً بكيفية ترجمة هذا الحضور السياسي إلى خطوات عملية تقرّب الفلسطينيين من هدفهم المتمثل في إقامة دولتهم المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
ومن هنا، فإن ذكرى النكسة لم تعد مناسبة للبكاء على الماضي، بل فرصة لمراجعة التجربة الوطنية واستخلاص الدروس المتعلقة بأهمية الوحدة الوطنية، وبناء المؤسسات، وتعزيز الشرعية الديمقراطية، وتحصين الجبهة الداخلية الفلسطينية.
ماذا يُطلب من المجتمع الدولي؟
في سياق استحضار ذكرى النكسة بعد تسعة وخمسين عاماً، يبقى جوهر القضية الفلسطينية ثابتاً لا يتغير بتغير الوقائع السياسية أو التحولات الإقليمية. فحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره حق أصيل كفلته الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة، وهو حق غير قابل للتصرف أو التقادم. ومن هذا المنطلق، فإن تحقيق السلام العادل والدائم في المنطقة يظل مرتبطاً بتمكين الشعب الفلسطيني من نيل حقوقه الوطنية المشروعة، وفي مقدمتها إقامة دولته الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشريف، بما يضمن الأمن والاستقرار والكرامة لجميع شعوب المنطقة وفق مبادئ القانون الدولي والعدالة الدولية.
وفي ظل استمرار الحرب والأزمات الإنسانية، تبرز مجموعة من الاستحقاقات الدولية الأساسية:
* العمل الجاد لوقف دوامة العنف والحروب.
* حماية المدنيين وفق القانون الدولي الإنساني.
* دعم جهود إعادة إعمار قطاع غزة.
* الحفاظ على حل الدولتين باعتباره الإطار الأكثر حضوراً في الشرعية الدولية.
* دعم حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.
* منع الإجراءات الأحادية التي تقوض فرص السلام والاستقرار.
فبعد تسعة وخمسين عاماً على النكسة، ما زال الفلسطيني يحمل "ذاكرة الخسارة"، لكنه يحمل معها أيضاً "إرادة البقاء". وبين حزيران 1967 وغزة اليوم، تتغير الوجوه والأحداث، لكن الحقيقة تبقى واحدة: أن الشعوب قد تتعثر، لكنها لا تفقد حقها في الحرية، وأن فلسطين، رغم كل ما مرّ عليها، ما زالت تكتب فصولها بإصرار شعبها وتمسكه بحقوقه الوطنية.
لقد علّمتنا النكسة أن الهزيمة ليست قدراً، وأن الزمن مهما طال لا يلغي الحقوق، بل يجعل التمسك بها أكثر رسوخاً في الوعي والوجدان.