العام الجديد.. إجابات لأسئلة معلّقة ..!
أكرم عطا الله
العام الجديد.. إجابات لأسئلة معلّقة ..!
وبدأ عام آخر مثقلاً بإرث أعوام وأيام سابقة بأثقالها وحمولاتها ... بحلوها ومرها. كان العام السابق كئيباً تركزت صخرة كآبته كعادتها على أكتاف الشعب الذي لم يرفع التاريخ نصل السيف عن رقبته، لكن العالم كله كأنه أصيب برجة عنيفة حين اهتز على وقع عودة المدرسة التجريفية في السياسة من صناديق الانتخاب الأميركية لتتسلم مفاتيح البيت الأبيض هذا العام لتعيد قلب التوازنات في المنطقة لصالح إسرائيل بدءا من طهران وصولاً لغزة التي تنتهي لديها مرارة كل الأشياء.
في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي لم تنتصر إسرائيل التي صبت على رؤوس المدنيين أكثر من مائة ألف طن من المتفجرات، وارتكبت إبادة جماعية في تلك المنطقة الصغيرة.
فهل تريد أن تصنع من ذلك نصراً، فعسكرياً كانت معركة بين دولة هي الأقوى في الشرق الأوسط وحركة حماس البسيطة التي تصنع سلاحها محلياً.
ومن سخريات التاريخ أن تعتبر اسرائيل هزيمة حماس انتصاراً، فالحركة بسذاجة حاولت التضخيم من قوتها كأنها تتحدى الآلة العسكرية لتلك الدولة. لكن الحقيقة التي يعرفها العالم أن انتصار إسرائيل على حماس هو فضيحة عسكرية قبل أن تكون أخلاقية لدولة تحتل شعباً آخر وترتكب كل هذه الجرائم.
على أعتاب العام الجديد يتساءل الفلسطينيون عن واقع ما ستفعله إسرائيل التي تقف خلفها قوة البيت الأبيض ارتباطاً بما تركته آثار الإبادة والمعارك، ويتكثف السؤال لدى الغزيين الذين ينتهي بهم عام من الحزن ليدخل عام لا يقل ضراوة وهم يتشبثون بخيام، وكانت أُمنية العام ألا تتطاير تلك الخيام التي كانت على مدى أيام سابقة مسرحاً للبؤس الإنساني الذي أصبح ضيف الغزيين الدائم، فيما كان العالم متفرجاً كأنه يشاهد واحداً من أفلام الدراما الحزينة.
ماذا ستفعل إسرائيل في غزة لهذا العام الذي يتطلع فيه الغزيون أن يكون أقل وجعاً، فقد نسوا الأماني والأحلام التي جرفتها السيول وحرقتها القنابل وأفسدتها الأمراض والبرد وغطاها الحزن بهالته السوداء.
فقد اعتقد الناس أن نهاية الحرب تنهي المأساة قبل أن تكتشف أن وقف القتال هو مدخل لحروب جديدة، حروب البرد والفقد والفقر والخيمة والتشبث بالحياة والتعليم وانهيار الأخلاق وتفكك المجتمع وغياب البيت والابن وغياب المستقبل، والخوف من المجهول الذي يخشى الغزيون كثيراً أن يشبه ماضياً قريباً لأنه امتداد
له.
هل ستبقى غزة مقسمة بين غزة إسرائيل وغزة تحكمها حماس ؟ أم هل سيستمر مشروع التهجير الذي لم يسقط عن الأجندة تماماً أم سيستأنف لعبته في الحرب بذريعة سلاح حماس، حيث ذهب نتنياهو إلى فلوريدا بلا تواضع وهو يحمل أرقاماً أكبر من تصديقها عن 60 ألف قطعة سلاح ما زالت تملكها حماس وعشرون ألف مقاتل ...!
بالمناسبة دخلت إسرائيل الحرب وهي تتحدث عن أن لدى حماس بين عشرين إلى خمسة وعشرين ألف مسلح .... فمن قتلت إسرائيل إذاً ؟ كيف ستواجه الشارع الإسرائيلي بهذا الرقم عن أن قوة حماس بقيت كما هي ؟
بات واضحاً أن إسرائيل ستستمر بالتنكيل بغزة، وواضح أن الأمر لم ينتهِ قبل أن نصل للعقدة الأهم وهي عقدة السلاح الذي لم يعد مهدٍّداً.
لكن إسرائيل تريد أن تجعل ما تبقى من غزة كما الضفة الغربية تجتاحها كما تشاء دون أن تجد من يعترضها وهي تلاحق البنادق الفردية هناك، فما العمل إذا ما أصر على أن تسلم حماس الرقم الذي أعلن عنه ورفضت الحركة وانزوى الوسطاء جانباً وأعطي الضوء الأخضر فإلى أين نحن ذاهبون ؟ يسأل الغزي القلِق.
إسرائيل تخطط بهدوء متكئة على رئيس أميركي جاهز لدعمها بكل المشاريع، وهي تنتهز لحظة يمكن لها أن تفعل فيها ما تشاء أمام حياد دولي، فأوروبا تنشغل بقضاياها المستعصية بعد مجيء ترامب من تحول بالموقف من الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا مروراً بما فرضه الرئيس ترامب عليها من جمارك مهددة لاقتصادها، وصولاً لتغيير العقيدة العسكرية بعد انكشاف وَهَم الحماية الأميركية وتحولات في البني السياسية لاتجاه قوى عنصرية لم يعد بإمكانها متابعة ملف الصراع مع إسرائيل تاركة للولايات المتحدة التفرد به ووسط هذا التخطيط الهادئ يدير الفلسطينيون سياستهم بما يشبه العشوائية الانتظارية بعيداً عن معرفة المستقبل والمشاركة في صناعته.
ينتظر الفلسطينيون أن تأتي نجدة السماء أو أن يحدث تغيير كبير في صالحهم من الخارج دون التفكير بواقعهم ومستقبلهم، دون وضع سيناريوهات والعمل عليها، كالعادة يشتغلون في السياسة بمنطق العمل اليومي وليس الدائم أو الإستراتيجيات البعيدة، وتلك كانت واحدة من مآسي الحقل السياسي الذي أصيب بالتصحر بعد كل تلك المقدمات العابثة والتي كان من الطبيعي أن تؤدي لهذه النتيجة وتصل لهذه المحطة السوداء.
الفلسطينيون في واقع غزة أمام أسئلة جوهرية أكبر من اعتقادات سطحية سادت على امتداد الحرب، وهي تقدم إجابات تبريرية للكارثة.
فلم يعد الأمر يحتمل مزيداً من التسطيح لقضية بهذا العمق وشعب بهذا القدر من الحزن، ولم تعد إجابات الماضي قادرة على تقديم حلول للراهن الذي يمعن في الخسارات .... عجزت الفصائل عن تقديم إجابات وما زالت تعجز فيما أن الوقت لا ينتظر شعباً بين الخيام .. الإجابة التي ينبغي التحضير لها: ماذا لو أصرت إسرائيل على تسليم حتى الأسلحة الفردية كيف ستتصرف حماس ؟ تلك ستحدد مسار غزة حرباً أوسلماً.